المتغيرات أسرع من وتيرة الأحداث نفسها، سباق إقليمي ودولي عاصف، ترتيبات عربية لمنع انزلاق خرائط المنطقة إلى حافة الخطر، الخرائط تحتاج إلى صوت العقل، وحكمة الاتزان الإستراتيجي، لا سيما في ظل الاصطدام الأمريكي - الإيراني في الملف النووي، وملفات أخرى، اللحظة تتطلب فلسفة ورؤية وتعاوناً يناسب حجم الأخطار والتحديات.
جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وعقد قمة استراتيجية مع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، بمثابة تأكيد على هذه الرؤية، ورغبة قوية في إعادة ترتيب أوراق الإقليم العربي، ومنع اتساع القلاقل والحروب، وخفض التصعيد الذي بات يندفع سريعاً فوق رمال متحركة.
إن علاقة مصر والإمارات تاريخية وشاملة، بدأت منذ إعلان الاتحاد وقيام دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971، وظلت قوية وراسخة في كل المحطات والأزمات التي عصفت بالمنطقة، وتأتي القمة بعد عشرات القمم التي عقدت بين الرئيسين، سواء أكانت قمة ثنائية أم ضمن مؤتمرات جماعية، فالرؤى متطابقة، والأهداف مشتركة في جميع المجالات والملفات المهمة.
القاهرة تدرك جيداً أهمية أبوظبي في معادلات الاستقرار وتبريد الصراعات، ومد جسور السلام والتعاون الشامل، بدءاً من الاتفاق الكامل على مواجهة الإرهاب، والحفاظ على سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مروراً بالحفاظ على المؤسسات الوطنية للدول العربية، وصولاً إلى التعاون في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية، وتعظيم الاستثمار بين البلدين، بما ينعكس على استقرار الإقليم ذاته.
العديد من ملفات الأمن القومي، كانت حاضرة بقوة في لقاء الرئيسين بالعاصمة الإماراتية أبوظبي، يأتي في مقدمتها الحفاظ على الاستقرار في منطقة الخليج العربي، التي هي جزء كامل من الأمن القومي المصري.
كما صرح كثيراً الرئيس عبد الفتاح السيسي، منذ توليه قيادة الدولة المصرية، بالإضافة إلى تناول الملفات المركزية مثل القضية الفلسطينية، والدخول في تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ، الذي عقد يوم 13 أكتوبر عام 2025، لا سيما أن القاهرة وأبوظبي تحرصان كل الحرص على توفير جميع المساعدات الإنسانية للأشقاء في غزة.
والعمل معاً والتشاور مع كل أطراف القضية الفلسطينية، من أجل قطع أشواط كبرى في مسار إعمار غزة وإنهاء مرحلة التعافي، وتمكين اللجنة الوطنية الفلسطينية من أداء مهامها وأدوارها في غزة، وصولاً إلى اللحمة الفلسطينية بين القطاع والضفة، وتأكيد وحدة الأراضي الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو عام 1967.
إن رسائل قمة القاهرة - أبوظبي، تكتسب أهميتها من توقيت الزيارة، الذي يتزامن مع متغيرات كبرى تلوح في أفق الخرائط العالمية على الصعيدين - السياسي والاقتصادي، والزعيمان يتفقان على أن الاستقرار في الإقليم العربي بات ضرورة ومهمة عربية إسلامية لا بديل عنها، أي إن القاهرة وأبوظبي تؤمنان بوحدة التكامل لا التفاضل، في ظل تحديات عملاقة يتطلب الصمود أمامها ثبات ووحدة وتحالفات وتطابق رؤى، لا سيما أن المنطقة العربية هي جزء من قلب نظام عالمي يتم ترتيبه الآن.
والذكاء الإستراتيجي والتكتيكي يحتم علينا - نحن العرب - أن نكون جاهزين بأدواتنا الاقتصادية والسياسية والرقمية والمعرفية، تلك الأدوات التي أصبحت مسوغات للنفوذ والبقاء والحفاظ على الوجود وسيادة الدول.
إن هذه الزيارة المهمة تحمل دلالات قوية على أن التفاوض والتحاور والتقارب جسور متينة للاستقرار، وإغلاق أبواب الطامحين باستئناف الفوضى، والطامعين في مقدرات الإقليم العربي، الذي عاش العقد الماضي، في ظل توترات آن لها أن تطوي صفحاتها وترحل بعد أن تركت ندوباً عميقة على وجه الخرائط ومفاهيم الاستقرار، ولم تعد تحتمل مزيداً من التصدعات، لذا علينا جميعاً ضرورة إدراك اللحظة وأخطارها فلا يمكن إنكار أن لهذه الأمة مصيراً مشتركاً.