من يتابع المشهد والوضع السياسي في المنطقة يلاحظ أنها تعيش، كالعادة، لحظات شديدة الحساسية والخطورة، بين احتمالات الحرب وفرص التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران. هذه الظروف تجعل القوى الكبرى والإقليمية تتحرك كأنها وسط حقل ألغام. لذا نجد أن كل خطوة محسوبة بدقة، وكل تصريح مدروس ومخطط له من حيث التوقيت والمضمون.
وكما اعتدنا، كلما زادت التوترات بين أمريكا وإيران، بالإضافة إلى إسرائيل، يتم تداول عدد من التساؤلات، منها: لماذا لا تندلع مواجهة عسكرية مباشرة خاصة بين إيران وإسرائيل بدعم أمريكي؟ ولماذا رغم الضغوط الإسرائيلية لم تتخذ أمريكا قرار الضربة والتدخل العسكري؟ وهل هناك رغبة أمريكية حقيقية في إسقاط النظام الإيراني؟ وهل فشل نتانياهو في إقناع ترامب باتخاذ هكذا قرار؟ ولماذا؟
حقيقة، هذه التساؤلات تبدو في ظاهرها بسيطة، لكن إذا تعمقنا في جوهرها يتضح لنا الاختلاف العميق في القراءة من زاوية المصالح الوطنية للدول، وهذا يؤكد لنا أن العلاقات الدولية لا تدار بالعواطف ولا بالشعارات ولا حتى بالتحالفات، الدول تتحرك وتتخذ مواقفها وقراراتها وفق مصالحها التي تحدد وفق موازين دقيقة جداً، تدرس العائد والتكلفة من كل تحرك أو قرار، وتحسب حسابات توازنات القوة، وتراعي مصالح الداخل. هكذا يجب أن نرى المشهد ونتوقع المستقبل، لا كما يعتقد البعض تبعية أمريكية عمياء لإسرائيل.
بالطبع، هناك من يتوقع مواجهة عسكرية أمريكية إيرانية مباشرة لأسباب عدة، منها شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من حيث سرعة قراراته، ويصنف شخصية صدامية ولا يخشى المواجهات، كما أنه انسحب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات على إيران. لكن في المقابل، رغم الخطابات الشديدة والنارية لترامب إلا أنه يراعي الحسابات الداخلية، ولا ننسى شعار ترامب «أمريكا أولاً» ويمكننا اعتبار هذا الشعار معياراً يحدد ويحكم قراراته السياسية وليس مجرد شعار انتخابي.
في هذه الأوضاع، ينبغي عدم تجاهل الرؤية الخليجية، خاصة أن دول الخليج هي الدول المستقرة في المنطقة وصاحبة مشروع تنموي، وللحفاظ عليه واستمراراه لا بد من ضمان الأمن والاستقرار، لذا نجد أن الرؤية الخليجية تختلف عن الرؤيتين الأمريكية والإسرائيلية. دول الخليج العربي رغم وجود ملفات تختلف فيها مع إيران، إلا أنها تدرك أن اندلاع الحرب سيكون له تأثيرات سلبية وأضرار على دول المنطقة وشعوبها.
نشوب الحرب لا يعني أن المتضرر إيران والقواعد الأمريكية في المنطقة فقط، بل سيشمل الممرات البحرية والصادرات والواردات التجارية ومنتجات الطاقة، لذا نجد أن المزاج العام في المنطقة يميل نحو تجنّبها، والحرص على إدارة الخلافات عبر قنوات التفاوض والوساطات الإقليمية والدولية، وهذا ما يفسر الحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع إيران من قبل دول الخليج العربي.
في الداخل الأمريكي، أظهرت الاستطلاعات أن غالبية الشعب لا يريد حرباً جديدة، حيث ما زال يتذكر تلك التجارب المكلفة والمؤلمة في العراق وأفغانستان وغيرها، حتى الرئيس ترامب يدرك ذلك، لذا يقدم نفسه رجل صفقات لا رجل حروب، وهو يعرف جيداً كونه تاجراً قبل أن يكون سياسياً، أثر الحروب وانعكاسها السلبي على الاقتصاد والسياسة، بل على المواطن البسيط. أمريكا تحرص على منع إيران من امتلاك قدرات نووية من دون الدخول في حرب قد تخرج عن السيطرة.
وبالنسبة لإيران، فالوضع معقد جداً، اقتصادها يعاني، والاحتجاجات الداخلية تضعها أمام ضغوطات وتوترات سياسية واجتماعية وأمنية، والميليشيات التابعة لها تواجه ضغوطاً. وفي المقابل، إيران لديها القدرة على الصمود لمواجهة الضغوطات، والقدرة على استخدام الميليشيات كورقة تفاوضية.
لذا نجد المفاوضات الحالية بين الجانبين معقدة، إيران تطالب بتخفيف العقوبات المفروضة عليها من دون تقديم تنازلات، وأمريكا تريد ضمان التخلص من البرنامج النووي والتأكد من عدم القدرة على العودة له. في هذا السياق، يمكن معرفة سبب بدء واستمرار المفاوضات رغم التهديدات، فكل الأطراف تدرك أن الحرب بديل مكلف. لكن التحدي الأكبر هو القدرة على تجاوز الحسابات الضيقة، والحسم السريع، لأن التأخير يزيد من احتمالات سوء التقدير والوقوع في حدث غير محسوب يفجر الموقف، فالتاريخ مليء بحروب بدأت بخطأ فخرجت عن السيطرة.