هل هناك أمل أن تتمكن الدول العربية والإسلامية الفاعلة في صياغة موقف شبه موحد لمواجهة المخططات الإسرائيلية الهادفة لإعادة رسم خريطة المنطقة؟!
في ظني وخلافاً لكل الأصوات المتشائمة ورغم كل الصعوبات والتحديات والأزمات وغياب الإرادة فإن الإجابة هي نعم.
لا يخفى على أحد أن إسرائيل أعلنت بوضوح وصراحة أنها تريد إعادة رسم خريطة المنطقة، وتتذكر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أعلن في 27 سبتمبر 2024 بعد دقائق من اغتيال زعيم حزب الله حسن نصرالله وكبار قادة حزبه في الضاحية الجنوبية لبيروت أنه حان الوقت لإعادة رسم خريطة المنطقة على أسس إسرائيلية.
المقاومة حق طبيعي ومشروع لكل الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، خصوصاً الشعب الفلسطيني، لكن من المهم أن يتم ذلك بصورة صحيحة تحقق هدف التحرير والاستقلال، وليس تصعيب المهمة، وفي ظني أن عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023 أعطت إسرائيل فرصة ذهبية لتدمير قطاع غزة وتعميق الاستيطان في الضفة الغربية واحتلال جنوب لبنان والمزيد من الأراضي السورية، والبلطجة على غالبية دول المنطقة.
ليس هدفنا اليوم مناقشة نتائج «طوفان الأقصى» ومن المخطئ ومن المصيب، فما يهمنا هو النتائج السياسية والواقع على الأرض الآن والذي يتمثل في أن إسرائيل تحتل 60 % من غزة وتزيد الاستيطان في الضفة وتكاد تلغي فكرة حل الدولتين، وتهدد إيران.
كل ما سبق بدعم واضح ومكشوف من الإدارة الأمريكية. هل الرغبة الإسرائيلية قدر محتوم سوف يتحقق رغماً عن كل دول المنطقة؟
الواقع يقول إن المنطقة العربية تعيش في أشد أوضاعها صعوبة، لكنه أيضاً يقول إن هناك إمكانية لموقف عربي إسلامي شبه موحّد يكبح جماح القطار الإسرائيلي المندفع بقوة مزوداً بالوقود الأمريكي المجاني.
قد يرى البعض أن إمكانية التنسيق العربي الإسلامي مبالغة أقرب للتمني، لكن وكدليل عملي على توقعي علينا أن نتذكر دور اللجنة العربية ـ الإسلامية الوزارية المعنية بمتابعة العدوان الإسرائيلي على غزة والتي يُشار إليها باسم اللجنة السباعية أو اللجنة الوزارية المشتركة) وهي آلية تنسيقية رسمية أُنشئت ضمن قمة عربية ـ إسلامية مشتركة للتعامل مع تطورات الحرب في غزة منذ 2023.
وأهم اجتماعات هذه اللجنة كان في أواخر سبتمبر الماضي في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة حينما التقت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأبلغته رسالة واضحة بأنه لا يمكن قبول استمرار البلطجة الإسرائيلية.
نتيجة هذا التنسيق أن ترامب أجبر إسرائيل على التوصل إلى اتفاق لوقف عدوانها على غزة، وقد تحقق ذلك في اتفاق شرم الشيخ المصرية في 12 أكتوبر الماضي، وبعدها رفض ترامب خطة إسرائيل لضم الضفة.
التنسيق بين الدول العربية والإسلامية تم تجريبه في العديد من الأحداث اللاحقة، حيث أصدرت هذه البلدان العديد من البيانات والمواقف ضد التصعيد الإسرائيلي في المنطقة ومحاولات الالتفاف على خطة ترامب، أو محاولات تهديد الضفة أو التلكؤ في تنفيذ اتفاق وقف النار في غزة وبدء تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ.
هذه اللجنة تمكنت من التأثير السياسي الدولي المعقول في مرات كثيرة من أجل الضغط لوقف العدوان الاسرائيلي والتمسك بحل الدولتين. إحدى مشاكل العقل السياسي أنه يتمنى أو يطلب إما التوحد الكامل في المواقف وإما العداوة التامة، وكلا الموقفين تطرف لا يؤدي إلا لمزيد من الانقسام العربي والإسلامي.
في ظني أن تجربة اللجنة السباعية أو الثمانية العربية الإسلامية كانت ناجحة، لأنها تتحدث عن تنسيق على أرض الواقع، في قضية محددة. قد تكون هناك مواقف متباينة في العديد من القضايا، لكن طالما أن هناك أرضية مشتركة في قضية محددة وهي الآن حماية الشعب الفلسطيني ورفض تهجيره أو تصفية قضيته، بدلاً من اشتراط التوحد الكامل في المواقف، وهو أمر يصعب تحقيقه في الوقت الراهن.
عموماً مرة أخرى هناك إمكانية عملية لتنسيق عربي إسلامي على أرض الواقع يحقق هدف وقف تصفية القضية الفلسطينية. ويمكن تجريب هذا النموذج بصورة واقعية في قضايا أخرى مماثلة يعاني منها العالم العربي والإسلامي.
نحن في أمسّ الحاجة إلى التفكير العملي العقلاني لأن التطرف بكل أنواعه لا يخدم إلا أعداء العرب والمسلمين.