المهارات وريادة الأعمال

من نافل القول إن الدراسات والأبحاث تؤكد أن المهارة ليست قدرة فطرية، بل هي قدرة مكتسبة تتطور بالممارسة المستمرة والتقييم والتحسين، وجميع هذه العمليات تسهم جميعها في صقل المهارات وتحسين الأداء.

ومن هذا المنطلق يُنظر إلى الابتكار على أنه مهارة يمكن اكتسابها: فمن خلال التدريب والممارسة والتجريب، واكتشاف طرق جديدة، وتحليل النتائج، ومن ثم التطوير، يصبح الفرد أكثر قدرة على إنتاج أفكار مبتكرة وتطبيقها بفاعلية.

تحدثنا في المقالات السابقة عن ضرورة الابتكار، ثم عن المبادرات التطبيقية، ثم عن الذكاء الفائق، ونصل في هذه المقالة إلى محور جوهري يمس صميم دور الجامعات، ألا وهو المهارات وريادة الأعمال. فلم تعد الجامعة مكاناً يمنح شهادة، بل منصة تبني قدرات حقيقية وتصنع عقولاً قادرة على الابتكار. في هذه المقالة نتناول هذا الجانب من جوانب التعليم العالي في حقبة الابتكار والذكاء الاصطناعي.

لكن أولاً ما العلاقة بين التعليم والابتكار؟ إنها علاقة متبادلة: التعليم يولد الابتكار، والابتكار يطور التعليم. وهذه العبارة ليست توصيفاً لغوياً، بل معادلة تحدد اتجاه المستقبل. فالتعليم الذي لا ينتج ابتكاراً يتحول مع الوقت إلى قالب إداري جامد، والابتكار الذي لا يجد تعليماً يحتضنه ويتبناه يتحول إلى شرارة تخبو قبل أن تتحول إلى مشروع. إذن العلاقة بين الاثنين أشبه بالدائرة: كل منهما يغذي الآخر.

ومن هنا جاءت رؤية جامعة حمدان بن محمد الذكية في التحول إلى مؤسسة أعمال أكاديمية مهمتها تخريج قادة ورواد أعمال لا طلاب وظائف. وهذا التحول لا يعني أن الجامعة تترك دورها الأكاديمي، بل أنها تعيد تعريف هذا الدور. فلم تعد مهمة الجامعة إعداد متخرج يبحث عن وظيفة، بل إعداد رائد أعمال ومؤسس مشاريع.

الفرق هنا كبير، فالجامعة التقليدية تقدم المعلومات، أما الجامعة المبتكرة فتصنع العقل القادر على تحويل هذه المعلومات إلى حلول ومشاريع وأعمال.

لا شك أن المهارة الحقيقية من مهارات رواد الأعمال لا تكتسب من كتاب، بل إتقانها لا بد له من الممارسة والتجريب والخطأ. وهذه حقيقة ربما تتجاهلها معظم الجامعات، فلا يمكن تلقين المهارات اعتماداً فقط على معلومات نظرية، ولا يمكن أن تتشكل شخصية رائد أعمال داخل قاعات المحاضرات فحسب، ذلك أن المهارة تحتاج لبيئة التجربة والخطأ، وإلى تكرار المحاولات وعدم الركون إلى نتائج هذه المحاولات إن باءت بالفشل. يعني على سبيل المثال لكي يتعلم الطالب مهارة اتخاذ القرارات لا بد له أن يمنح حرية اتخاذ القرار، ولكي يفهم معنى القيادة ينبغي أن تتوافر له فرصة القيادة، ولو في مشروع صغير. وهكذا دواليك بما يخص كل المهارات التي تتصل بمجالات النشاط الإنساني.

بناء على ما تقدم، من مزايا الجامعات التي تزرع المهارات أنها تبني في المجتمع منظومة ابتكار حقيقية. وحين تتحول الجامعة إلى مساحة لإطلاق المشاريع، وحين تصبح الأفكار جزءاً من نظامها اليومي، فإن المجتمع بأكمله ينتقل من مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة الإنتاج. في هذا المجتمع، لا يعود الخريج باحثاً عن وظيفة بل مساهماً فعلياً في خلق فرص العمل للآخرين، وحين تمتلك الجامعات عقلية ريادية، يتحول الطالب إلى شريك في صناعة مستقبله وصياغة حياته المهنية في ضوء استعداداته وميوله وطموحاته الشخصية. في حين أن الذهنية التقليدية التي تحكم بعض الجامعات تحول الطالب إلى نسخة مكررة من آلاف الخريجين.

إن كل مجتمع لا يفتح المجال واسعاً أمام شبابه لاكتساب المهارات، يحكم على بنيه أن يبقوا رهينة لاستهلاك ابتكارات الآخرين، وهذه العبارة هي المرآة التي يجب أن تنظر فيها كل مؤسسة تعليمية وتحاكم على أساسها أداءها الأكاديمي ودورها المجتمعي. كذلك فإن الدول التي فشلت في بناء منظومات تعليم تركز على المهارات أصبحت أسواقاً لمنتجات غيرها، لا ساحات لإنتاج الأفكار. فمعلوم أن البلدان المتقدمة لم تتقدم لأنها فقط تملك التكنولوجيا، بل لأنها تملك الناس القادرين على صناعتها.

من مهمات التعليم الأساسية إكساب المهارات لطلابها وصقل هذه المهارات وتجريب هذه المهارات في الواقع العملي من خلال المشاريع، وذلك ما تحدثت عنه بالتفصيل في كتابي «التعليم من أجل المهارات»، وما من شك أن المستقبل سيكون ملكاً للجامعات التي تتقن إكساب طلابها وخريجيها المهارات بمختلف أشكالها وفئاتها، فلا يمكن أن نعيش في عالم قائم على الذكاء الاصطناعي ونستمر في تعليم قائم على التلقين. ولا يمكن أن نتحدث عن الابتكار بينما نكرر المناهج نفسها والأساليب نفسها والتوقعات نفسها.