منذ الأول من فبراير عام 1979، حينما سقط نظام الشاه في إيران، كانت أهم سمة للعلاقات الأمريكية الإيرانية هي التوتر الدائم، بدرجات مختلفة، لكنه كان قابلاً للسيطرة من كلا الجانبين.
الآن تغيرت العلاقة والمعادلة، وصار الجميع لا يسأل السؤال التقليدي؛ وهو: هل يدخل البلدان في حرب شاملة؟، بل: متى يحدث ذلك؟.
ما يمكن الاتفاق عليه بين غالبية المراقبين هو أن أمريكا، تحديداً، تتفاوض مع إيران هذه الأيام، ليس بالطريقة السياسية والدبلوماسية المعهودة، لكن بالبوارج وحاملات الطائرات، وأنواع الأسلحة التقليدية والتكنولوجية كافة، وهو نوع معروف عسكرياً وسياسياً تحت عنوان «التفاوض بالنيران».
الهدف من الحشد العسكرى خلال أي خلاف سياسى هو أن كل طرف يسعى إلى تحقيق أهدافه العسكرية عبر مائدة التفاوض، من خلال التلويح بالقوة السافرة، وإذا فشل ذلك تندلع الحرب فعلاً.
ومن خلال الرصد، سوف ندرك أن الحشد الأمريكي حول إيران كبير، وربما يكون غير مسبوق.
ما هو متاح من معلومات يقول إن طبيعة الحشد الأمريكي تشير إلى الآتى:
العمود الفقري للحشد الأمريكي يتمثل في القوة البحرية، فهناك، مثلاً، حاملة الطائرات «يو إس إس إبراهام لنكولن» الموجودة بالفعل في بحر العرب قرب إيران، وهناك حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد فورد» في طريقها للمنطقة أيضاً، وكل حاملة يمكنها أن تحمل أكثر من 75 طائرة مقاتلة ومروحية، وهو ما يعنى القدرة على تنفيذ مئات الطلعات الجوية يومياً.
كما نشرت الولايات المتحدة عشر سفن حربية وأنظمة دفاع جوى متقدمة،
مزودة بصواريخ كروز بعيدة المدى، وأنظمة دفاع جوى وأنظمة حرب إلكترونية.
أما العنصر الأساس الذى تراهن عليه الولايات المتحدة؛ فهو الطائرات المقاتلة، حيث نشرت أكثر من 50 طائرة خلال 24 ساعة فقط، وتشمل المقاتلة الشبح إف 35، والإف 22 التي يقال إنها الأكثر تفوقاً جوياً، والإف 16، إضافة إلى نشر 90 مقاتلة أمريكية على بعد 700 كيلو متر من الأراضى الإيرانية.
وبجانب ذلك، فقد تم نشر طائرات إنذار مبكر من طراز «أواكس E3»، وطائرات تزويد بالوقود من طراز «KC B5»، وطائرات نقل عسكري، وطائرات قيادة وسيطرة ومراقبة، وكل هذه الطائرات ضرورية جداً لإدارة حرب جوية واسعة النطاق.
هناك أيضاً الدفاع الجوى والصاروخى، حيث نشرت الولايات المتحدة أنظمة باترويت وثاد لحماية القواعد الأمريكية وأماكن تمركز القوات، وكذلك لاعتراض الصواريخ الإيرانية حال إطلاقها.
ورابعاً: هناك القوات البرية، وتشمل نحو ٣٥ ألف جندي أمريكى في المنطقة، ومعهم طائرات نقل وشحن لنقل الذخائر والمعدات ووحدات الدعم.
من يتأمل خريطة الحشد الأمريكي سوف يكتشف أن القوات الأمريكية تحيط تقريباً بإيران من كل الجهات وهو ما يسمى عسكرياً «التطويق الاستراتيجي».
السؤال المنطقي: هل يمكن أن تنفذ الولايات المتحدة كل هذا الحشد لمجرد «التهويش» كما يردد البعض؟!
الإجابة، من وجهة نظري ونظر الكثير من المراقبين، هي «لا قاطعة»، والسبب أن هذا الحشد أولاً يكلف أمريكا الكثير مالياً، في بلد يحكمه ترامب الذي يحسب كل شيء بصورة مادية براغماتية.
وثانياً، أنه إذا سحب ترامب قواته من المنطقة من دون أن يحقق أهدافه، فإن ذلك يجعل إيران تعلن أنها انتصرت استراتيجياً.
وبالتالي، فأغلب الظن أن ترامب وهو يفاوض الإيرانيين، سواء في مسقط أو روما أو جنيف، يسعي للحصول على كل أهدافه، من دون أن يطلق رصاصة واحدة، أو سيدخل الحرب لا محالة لتحقيق هذه الأهداف، وأهمها أن تفكك إيران مشروعها النووي، وتوقف تخصيب اليورانيوم، وكذلك برنامجها الصاروخي، وأن توقف دعمها لكل أذرعها في المنطقة، وهي مطالب تقول إيران إن تكلفة الحرب ستكون أقل من تكلفة الاستجابة لها في المفاوضات.
السؤال العكسى: أليس لدى إيران أوراق أيضاً ولها قدرات عسكرية؟
الإجابة هي: نعم، لدى ايران العديد من الأسلحة، خصوصاً الصورايخ. المرشد الإيراني على خامئني قال يوم الثلاثاء الماضي: «إن السلاح القادر على إغراق حاملة الطائرات في قاع البحر أخطر بكثير من الحاملة نفسها».
كلام خامئنى جاء رداً على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة بأن بلاده «تملك أقوى جيش في العالم».
خلاصة القول إن البلدين يحشدان عسكرياً، وكل منهما يتوعد الآخر، وأحد السيناريوهات بخلاف الحرب الشاملة أو السلام الشامل هو أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق يجعل كل طرف يزعم أنه حقق أهدافه، أو أن أمريكا لا تبدأ الحرب وتدع إسرائيل تتولى الأمر، مع تقديم دعم غير مباشر، أو حتى مباشر، كما حدث في هجوم يونيو الماضي.
أمريكا سوف تستمر في الحشد العسكري وممارسة كل أنواع الضغوط، من أول التصريحات نهاية بالمناورات الحربية، وإيران تمارس ما يسمى «الصبر الاستراتيجي»، والأيام المقبلة هي التي ستقدم لنا إجابة عن هذا الصراع الأخطر بين البلدين منذ عام ١٩٧٩، والحشد الأضخم من نوعه منذ الغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣.