احتكار عبدالوهاب لصوت طلال مداح

في ستينيات القرن العشرين، عبرت شهرة الفنان طلال مداح (1940 - 2009) حدود وطنه، إلى العالم العربي الأوسع، كصوت جميل مميز، وهو ما استرعى انتباه موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، فحرص على الالتقاء به في بيروت سنة 1965.

حيث قابله وأثنى عليه، ومنحه لقب «زرياب العصر»، وأهداه عوده القديم، الذي عزف عليه أغنيتي «الجندول» و«الكرنك». وعلاوة على ذلك، لحن له أغنية «ماذا أقول»، التي تقول كلماتها:

ماذا أقول وقد همت فيك، والسحر قد فاض من عينيك، والبدر يشكو من بهاك ويختفي، والورد يزهو من سنا خديك، والغصن يرقص شادياً ويحتفي، ثم انحني شوقاً على كفيك، تنوين يوماً بالوصال وتخلفي، هلا وفيت لكم أغار عليك، جودي بوصل وارحميني وانصفي، إلى جريح تاه في جفنيك، بالله رقي واذكريني واعطفي، قد هام قلبي والفؤاد لديك، إني لأذكر عهدك والصفا، ويعلم الله إني لست ناسيك.

وهذه الأغنية الجميلة لم تشتهر كثيراً لأسباب عدة، منها ــ طبقاً لطلال ــ أن عبدالوهاب لم يشرف بنفسه على تنفيذ اللحن، وأوكل المهمة لعازف الكمان اللبناني عبود عبد العال، ومنها أن شركة عبد الوهاب الفنية لم توزع أشرطة الأغنية بشكل احترافي.

هذا ناهيك عن عدم أداء الأغنية من قبل طلال في الحفلات الجماهيرية، لأنه لم يكن يمتلك النوتة الموسيقية الأصلية، التي احتفظ بها عبد الوهاب لنفسه.

الأهم من كل ما سبق، هو أن عبدالوهاب، صاحب التاريخ والتجارب الفنية الطويلة، نجح في إقناع طلال بتوقيع عقد معه، يحتكر بموجبه صوته وفنه، كيلا يغني إلا من ألحانه أو بموافقته.

وقتها كان طلال في بدايات مسيرته الفنية، التي انطلقت من الطائف في عام 1959، حينما غنى من ألحانه وكلمات عبدالكريم خزام، أغنية «وردك يا زارع الورد».

وكان بالتالي عديم الخبرة في أمور التعاقدات، وما يترتب عليها من التزامات وجزاءات، ناهيك عن أنه كان معروفاً بطيبته المفرطة، وثقته الزائدة في الناس، وتعامله مع الآخرين بعفوية.

لاحقاً، حينما أخبر رفاقه المقربين، ومنهم صديق عمره المونولوجست والشاعر الغنائي «لطفي زيني»، بتعاقده مع عبد الوهاب، أدرك أنه تعجل، فوقع في الفخ من غير أن يدري، والأسوأ من ذلك، أنه وقّع على عقد احتكاري مفتوح، دون مدة زمنية محددة.

صحيح أن العقد كان اعترافاً رسمياً من أعظم الموسيقيين والملحنين العرب آنذاك بصوت وموهبة طلال، ومكانته الفنية في الخليج والجزيرة العربية، إلا أن فكرة الاحتكار كانت ضد أحلامه وطموحاته وخططه لجهة الانتشار والتنوع.

وهكذا قرر طلال مع صديقيه لطفي زيني وحسن دردير، أن يشدوا الرحال إلى بيروت، للتفاهم مع عبدالوهاب حول بنود العقد، التي كان منها بند حول تنفيذ مجموعة من الأغاني بصوت طلال من ألحان عبدالوهاب، لصالح الشركة الفنية التي يملكها الأخير.

يقول حسن دردير ما مفاده أن طلال سجل بالفعل بعض الأغاني المتفق عليها لدى «استوديو شلهوب» ببيروت، وأن أشرطتها تركت هناك كي تخضع لعملية المونتاج لاحقاً، بحضور عبدالوهاب وطلال.

ويضيف دردير أنه كان من الضروري الاستيلاء على تلك الأشرطة وإرسالها إلى السعودية، مع سرعة عودة طلال إلى وطنه، دون أن يعلم عبد الوهاب، تفادياً لأي إجراءات جزائية. وبالفعل، تمكن دردير من الاستحواذ على أربعة أشرطة من استوديو شلهوب، وأرسلها مع أحد المسافرين إلى جدة، فيما تمكن طلال من مغادرة لبنان.

حينما علم عبدالوهاب باختفاء الأشرطة، غضب غضباً شديداً، وراح يبحث عن طلال في مقر إقامته، وفي الأماكن التي يتردد عليها، دون جدوى، فكانت القطيعة بين الفنانين الكبيرين، والتي دامت لأكثر من عشر سنوات.