حرب باكستان وأفغانستان..سُرقت منها الأضواء

ولّى ذلك الزمن الذي كانت فيه أفغانستان تستأثر بالأضواء والمتابعات الإعلامية المكثفة، ففي السنوات الأخيرة، وبسبب تبعات وباء كورونا ثم تبعات الحرب الروسية الأوكرانية، صارت لا تحظى بأدنى اهتمام، ولا تشغل بال العالم إلا نادراً.

وحتى حينما انشغل الإعلام العالمي بها أخيراً بسبب اشتعال المعارك بينها وبين جارتها الباكستانية، سرعان ما تراجعت أخبارها وسط اهتمام العالم بما يجري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ونظام الملالي في طهران من جهة أخرى، خصوصاً مع العدوان والتصعيد العسكري الإيراني ضد دول مجلس التعاون الخليجي.

والحقيقة أن ما كان على مدى الأشهر الماضية مجرد اشتباكات حدودية متكررة، وتبادل للاتهامات بوجود ملاذات آمنة للمسلحين والمتمردين، بين باكستان وأفغانستان، تطور سريعاً في فبراير المنصرم إلى حرب علنية مفتوحة وهجمات متبادلة استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة بما فيها سلاح الجو، وأوقعت الكثير من الأضرار في الأرواح والممتلكات، خصوصاً في الجانب الأفغاني الأقل جاهزية وتسليحاً، مقابل ترسانة باكستانية من الأسلحة التقليدية والنووية.

وهذا، بطبيعة الحال يمثل واحداً من أخطر التحولات في علاقات البلدين الجارين منذ عودة طالبان إلى السلطة في كابول قبل خمس سنوات، بل يعد حدثاً ذا أبعاد وتداعيات خطيرة تمتد إلى منطقة جنوب آسيا بأسرها وتحمل عواقب استراتيجية، واضطرابات مخيفة، في منطقة مضطربة أصلاً بحكم حالة العداء التاريخي المزمن بين أقطابها حول الحدود والأراضي والمياه.

لقد كانت باكستان تأمل في أن تساعد عودة طالبان إلى السلطة في انشغالها بنفسها وإعادة بناء بنيتها التحتية المهدمة وإصلاح اقتصادها المنهار، وبالتالي استقرار حدودها الغربية، لكن يبدو أن رهانها قد فشل اليوم، وبات عليها الحيطة والحذر مع الردع العسكري.

والمعروف أن خط دوراند الحدودي بطول 2640 كيلومتراً بين البلدين، والذي رسمه البريطانيون مع أمير أفغانستان عبدالرحمن خان سنة 1893 هو الحدود الدولية الرسمية التي تفصل ما بين مناطق البشتون الباكستانيين وأشقائهم البشتون الأفغان، لكن كابول لا تعترف به.

ولعقود مضت تم احتواء عدم الاستقرار على طول الحدود من خلال الوساطات القبلية تارة والترتيبات غير الرسمية تارة أخرى، والاشتباك العسكري الخفيف تارة ثالثة، لكن يبدو اليوم أن ذلك التوازن الهش قد تآكل.

ويذكرنا هذا الفشل بما حدث في عام 1996 حينما دفعت إسلام آباد، زمن رئيسة حكومتها، بي نظير بوتو، بحركة طالبان نحو كابول لتجريد الحكومة من السلطة، اعتقاداً منها أن هذه الجماعة ستحفظ لباكستان جميلها فتؤمن حدودها الغربية وتساعدها على أن تكون لها موطئ قدم في أفغانستان لمواجهة خصمها الهندي اللدود، وهو ما لم يحدث.

في الحرب الأخيرة قالت إسلام آباد إنه كان لا مفر من الرد العسكري الحازم باستخدام القوات الجوية والبرية لحماية سيادة البلاد وحماية المواطنين المدنيين، رداً على هجمات مسلحة قام بها أفغان متسللون إلى الأراضي الباكستانية بأسلحتهم ضد قواعد عسكرية باكستانية، بينما رفضت حكومة أفغانستان الرواية الباكستانية جملة وتفصيلاً. وقالت إن القتال اندلع بسبب أعمال استفزازية لقوات الحدود الباكستانية.

وأياً تكن الأسباب وراء اندلاع الحرب، فإن ما لوحظ هذه المرة هو أن باكستان اتبعت أساليب جديدة ضد ما تصفه بـ«إرهاب طالبان»، وبعبارة أخرى، بدلاً من أن تلجأ إلى الضغط العسكري والأساليب غير المباشرة لتحجيم التهديد كما في الماضي.

صارت اليوم تستخدم سلاحها الجوي وما في ترسانتها من أدوات تكنولوجية في القصف المباشر لمكامن التهديد، خصوصاً أن الخطوة حظيت لأول مرة بدعم شعبي وإعلامي واسع بسبب استهداف الطالبانيين الأفغان لمسجد في باغور، بما يحمله المسجد من رمزية دينية، وإصدار إسلام آباد لرسالة قالت فيها إن السلامة الوطنية خط أحمر وغير قابلة للتفاوض.

من جانب آخر، تبرز حركة طالبان باكستان كعامل توتر معيق في حسابات الأمن والسلام لكلا الجانبين.. فإسلام آباد تتهم كابول بأن مقاتلي طالبان باكستان يعملون من أرضيها.

وتطالب بتحجيمهم وتقييد حركتهم لخطورتهم على استقرار باكستان، بينما تبدو كابول عاجزة عن ذلك بسبب الروابط الأيديولوجية والعقائدية والقبلية بين طالبان باكستان وطالبان أفغانستان، والتي إن تم تجاوزها بالحزم الأمني فقد يثير انقسامات داخل السلطة الحاكمة في كابول.

ونختتم بالإشارة إلى أن لاعبين إقليميين مثل قطر وتركيا حاولوا أكثر من مرة تقريب وجهات النظر بين الجارتين، وإنهاء خلافاتهما، لكنهم فشلوا بسبب انعدام الثقة وغياب المرونة السياسية للوصول إلى تسوية.