الصين الصامتة تراقب وتتعلم من حرب الخليج الثالثة

اعتادت الصين في العقود الأخيرة أن تتبع سياسة براغماتية غامضة حيال الأزمات الدولية التي ليست طرفاً فيها.

وها هي تطبق تلك السياسة حرفياً في الحرب المشتعلة في منطقة الخليج منذ 28 فبراير الفائت بين واشنطن وطهران.

حيث بقيت صامتة تراقب تطوراتها دون تدخل، عدا بعض البيانات الإنشائية المعروفة التي نددت فيها بالإدارة الأمريكية، ودعت من خلالها إلى العودة إلى المسار الدبلوماسي لحل الخلافات.

حدث هذا على الرغم من أن استمرار الحرب في الخليج يضر بمصالحها الاقتصادية والتجارية وتدفق واردات النفط الرخيص الذي اعتادت شراءه من الإيرانيين، مقابل تزويدها ببضائع وسلع صينية المنشأ، بغية الالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة على النظام الإيراني.

وخصوصاً إذا ما تمّ إغلاق مضيق هرمز (اشترت الصين أكثر من 80% من إجمالي صادرات النفط الإيرانية، أي ما يعادل 13% من إجمالي وارداتها من النفط),

هذا علماً بأن إغلاق مضيق هرمز لن يؤدي فقط إلى زعزعة استقرار أسواق الطاقة فقط، وإنما يؤثر في تجارة الصين مع دول الشرق الأوسط بصفة عامة.

ويبدو أن القيادة الصينية، بحسب العديد من المراقبين والمحللين، مستعدة لتحمل تبعات خسائرها التجارية والاقتصادية الآنية، طالما أن استمرار الحرب يشغل الولايات المتحدة الأمريكية عنها وعن محيطها الاستراتيجي في الشرق الأقصى، ويستنزفها عسكرياً.

ومن جهة أخرى، تبدو بكين حريصة على مراقبة ما يجري في ساحة النزال الأمريكي الإيراني، لتتعلم أسلوب الأمريكيين لجهة إدارة حروبهم ولتتعرف إلى إمكاناتهم القتالية واللوجستية وخططهم العسكرية جواً وبحراً.

فمثل هذه الأمور مهمة جداً للصين في حال نشوب صدام مسلح مستقبلاً بينها وبين الولايات المتحدة حول تايوان التي يهدد الأمريكيون بالتدخل لصالحها، إنْ قامت بكين بغزوها واستعادتها بالقوة.

وفي هذا السياق، لوحظ متابعتها الدقيقة لنجاح الأمريكيين في تدمير الجل الأعظم من سلاح البحرية الإيرانية بسرعة قياسية وفي غضون فترة زمنية قليلة، وذلك من منطلق أن سلاح البحرية سوف يلعب دوراً مهماً في أي حرب صينية أمريكية في مضيق تايوان.

علاوة على ذلك تابعت بكين باهتمام بالغ العملية البحرية الأمريكية ضد الفرقاطة الإيرانية «آيريس دينا» (البالغ وزنها 1500 طن)، التي تمّ إغراقها في المحيط الهندي بالقرب من سواحل سريلانكا بواسطة غواصة هجومية نووية أمريكية، في حدث هو الأول من نوعه منذ الحرب العالمية الثانية.

ولعل بكين خرجت مما جرى للفرقاطة الإيرانية بحقيقة مفادها وجود نقاط ضعف في خطوط إمدادات الطاقة الصينية في الشرق الأوسط، ولا سيما الخطوط المارة في مياه المحيط الهندي ذي الأهمية الاستراتيجية القصوى لها.

فإذا ما علمنا أن نحو 92% من حاجة الصين من النفط تنقل بحراً عبر المحيط الهندي، وينقل الباقي عبر خطوط أنابيب من روسيا وكازاخستان وميانمار.

وإذا ما علمنا أن للولايات المتحدة قاعدة عسكرية ضخمة في مياه المحيط الهندي (دييغو غارسيا)، وأن البحريتين الهندية والأسترالية نشطتان في تلك المياه، فإن الصين لا بد من أن تقلق من احتمالات اعتراض شحناتها النفطية في أوقات الأزمات.

ومن ناحية ثالثة، يمكن القول إن بكين تابعت أيضاً باهتمام مدى فاعلية الصواريخ الباليستية والمسيرات التي استخدمها النظام الإيراني ضد إسرائيل وبلدان الخليج العربي، وخصوصاً أن هذه الأسلحة قامت طهران بتطويرها اعتماداً على تكنولوجيات صينية وكورية شمالية بنسب متفاوتة، وفق اتفاقيات عقدت خلال السنوات القليلة الماضية. فمثلاً طورت إيران العديد من الصواريخ (مثل سلسلة سي 704 وسي 802) بناء على تصميمات صينية.

وحصلت من الصين، التي لا تبيع صواريخ كاملة تجنباً للعقوبات، على الكثير من المعدات الدقيقة والتقنيات الإلكترونية ذات الاستخدام المزدوج، علاوة على نحو 2000 طن من مادة بيركلورات الصوديوم، واستخدمتها في تصنيع صواريخها.

وطبقاً لتقارير صحافية في أكتوبر 2025، فإن إيران اشترت شحنات بيركلورات الصوديوم من موردين صينيين واستلمتها في ميناء بندر عباس على الخليج، ثم نقلتها إلى مواقع على مشارف العاصمة طهران.

والمعروف أن هذا العنصر هو المادة الأساسية في إنتاج الصواريخ ذات الوقود الصلب، علماً بأن الصواريخ ذات الوقود الصلب أسرع من تلك التي تستخدم الوقود السائل.

نخالة القول أن حرب الخليج الثالثة هي خليط من المكاسب والخسائر للصين في آن. وبعبارة أخرى، خسائر اقتصادية وتجارية ونفطية مقابل دروس استراتيجية.