موسم الكشف عن الخلايا الإرهابية

حين تختبر الأوطان صلابة جبهاتها، تكتشف أن الخطر لا يكون قادماً من وراء الحدود دائماً، ولا يُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تعبر السماء، أو الطائرات والمسيرات التي تخترق الأجواء.

ثمة خطر آخر يتسلل في صمت، ويتخفى في التفاصيل اليومية، ويتكئ على الثقة ليضربها من الداخل.

هذا الخطر كشفت عنه الوقائع الأخيرة في عدد من دول الخليج العربي، حيث أعلنت الإمارات الأسبوع الماضي عن تفكيك شبكة إرهابية ممولة ومدارة من قبل «حزب الله» اللبناني وإيران، والقبض على عناصرها. كما أعلنت كل من الكويت والبحرين أيضاً عن ضبط خلايا إرهابية تعمل على زعزعة الأمن فيها.

هذه الخلايا لا تُقاس خطورتها بعدد أفرادها، ولا بحجم ما ضبط بحوزتها من أدوات ووسائل وأسلحة، وإنما بما تمثله من اختراق لمنظومة الأمان الاجتماعي والسياسي، وبما تعكسه من مشروع يتجاوز حدود الجغرافيا، ويتعامل مع المنطقة باعتبارها ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، وتوسيع النفوذ، وتفكيك الدول من داخلها.

في دول الخليج العربي، حيث قامت الدولة الحديثة على عقد متين بين القيادة والشعب، وعلى منظومة قيمية تُعلي من شأن الاستقرار والتنمية، تبدو مثل هذه الخلايا محاولة لضرب هذا العقد في عمقه، واستهداف حالة التماسك التي تُعد من أهم مصادر القوة.

فحين يُستدرج بعض الأفراد من مواطني هذه الدول، كما أُعلن في البحرين والكويت، إلى مسارات سرية تُدار من خارج الحدود، فإن الأمر لا يتعلق فقط بخرق أمني، وإنما بتحدٍ مباشر للهوية الوطنية، ومحاولة لإعادة تشكيل الولاءات على أسس طائفية أو أيديولوجية عابرة للدولة.

لقد أثبتت التجارب أن ما يسمى بالخلايا النائمة ليس مجرد توصيف إعلامي، وإنما هو أسلوب تقوم عليه استراتيجيات معقدة تُبنى على اختراقات تدريجية، تبدأ بالتجنيد وتمر عبر شبكات التمويل والدعم اللوجستي، وتنتهي بمرحلة التنفيذ حين تتهيأ الظروف.

هذه الخلايا لا تتحرك بعشوائية، وإنما ضمن منظومة قيادة وسيطرة، ترتبط بمراكز قرار خارجية، وتخضع لحسابات سياسية تتجاوز حدود الدول التي تنشط فيها.

في هذا السياق تتكشف ملامح مشروع إيراني إقليمي يستخدم أدوات متعددة، تتراوح بين الهجمات المباشرة، والعمل عبر خلايا تستهدف البنية الداخلية لدول الخليج العربية.

ما يدعو إلى التأمل هو أن هذه الخلايا، في كثير من الأحيان، تستفيد من مساحات الحرية والتسامح التي توفرها الدول لمواطنيها والمقيمين على أرضها، فتتحرك في بيئات مفتوحة، وتستخدم أدوات العصر، من تكنولوجيا الاتصال إلى شبكات التواصل، لتجنيد الأفراد، ونقل الرسائل، وبناء شبكاتها.

فما حدث ليس أحداثاً معزولة، وإنما إشارات متصلة، تكشف عن نمط متكرر، يستدعي قراءة أعمق، ورؤية استراتيجية تتعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها جزءاً من مشهد إقليمي مضطرب.

في هذا المشهد تصبح اليقظة المجتمعية خط الدفاع الأول، حيث لا يمكن لأي جهاز أمني، مهما بلغت كفاءته، أن يعمل بمعزل عن وعي المجتمع وإدراكه لطبيعة التحديات التي تواجهه.

هنا تتجلى أهمية الخطاب الوطني، الذي يعزز الانتماء، ويحصن العقول من محاولات الاختراق، ويعيد التأكيد على أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدراتها العسكرية أو الاقتصادية، وإنما بمدى تماسك نسيجها الاجتماعي، وصلابة وعيها الجمعي. إن المعركة الحقيقية تبدأ من داخل الإنسان، من قدرته على التمييز بين ما يخدم وطنه، وما يُستخدم أداةً لضربه.

وفي خضم هذه التحديات تبرز دول الخليج العربي، مرة أخرى، وهي تعيد ترتيب أولوياتها، وتعزز من تعاونها الأمني، وتبادل المعلومات، وتوحيد الجهود لمواجهة هذا النوع من التهديدات.

فالمصير واحد، والخطر مشترك، وأي اختراق في دولة يمكن أن يمتد أثره إلى بقية الدول، حيث لم تعد الحدود التقليدية قادرة على احتواء التهديدات الجديدة.

إن الطابور الخامس، في صورته الحديثة، لم يعد مجرد أفراد يعملون في الخفاء، وإنما شبكة معقدة، تتقاطع فيها المصالح، وتتشابك فيها الأدوار، وتستند إلى دعم خارجي واضح. والتعامل معه يتطلب وعياً بحجمه الحقيقي، وإدراكاً لطبيعته المتغيرة، واستعداداً دائماً لمواجهة ما قد يظهر منه، أو ما قد يظل كامناً في الخفاء.

هكذا تتشكل الصورة من خطر ظاهر يقابله خطر خفي، ومعركة تُدار في العلن، وأخرى تُخاض في الخفاء.

موسم الكشف عن الخلايا الإرهابية واصطيادها بدأ، وسينتهي بالقضاء عليها كلها بإذن الله تعالى، لأنه لا مجال للخونة والعملاء في أوطاننا الشريفة.