جيسيكا فوستر.. والتزييف العميق

هل يمكن لشخص واحد أن يخدع مجموعة أو جماعة كبيرة من الناس؟.. وهل وسائل التواصل الاجتماعي تساعد عموم الناس على الوصول بسرعة إلى الحقائق والمعلومات الصحيحة، أم أنها يمكن أن تساعد على تضليلهم وخداعهم بمعلومات مفبركة، بل وتقديم شخصيات افتراضية على أساس أنها حقيقية، ما يقود إلى صناعة وعي مزيف؟.. وما خطورة كل ما سبق، خصوصاً في ظروف التوتر والقلق والحروب والصراعات الكبرى؟

كل الأسئلة السابقة يمكن طرحها بعد واقعة جيسيكا فوستر التي حيرت الكثيرين، بل وجعلتهم يخشون من ظاهرة خطيرة اسمها التزييف العميق بما يقود إلى التأثير في العديد من المجتمعات بكبسة زر واحدة.. الحساب المضروب أو المفبرك ذكر في خانة التعريف أن جيسيكا تخدم في القاعدة العسكرية الأمريكية في ولاية كارولينا الشمالية.

جيسيكا فوستر يفترض أنها مجندة أمريكية، ولها حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهرها وهي تقف إلى جانب العديد من قادة أمريكا والعالم.. إحدى هذه الصور تظهرها وهي تسير بجوار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على مدرج المطار، كانت في اليوم الأول للحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في 28 فبراير الماضي.. وفي صورة أخرى تقف بجانب طائرة مقاتلة من طراز إف 22 رابتور، ثم صورة أخرى وهي على متن سفينة عسكرية أمريكية في مضيق هرمز.

على حسابات فوستر صور أيضاً مع أكثر من 50 شخصاً من قادة الدول والشخصيات العامة؛ مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والأوكراني، فولوديمير زيلينسيكي، وميلانيا زوجة ترامب، ونجم كرة القدم المعروف ليونيل ميسي.

نشر هذه الصور جعل حساب فوستر يستقطب أكثر من مليون متابع على تطبيق «انستغرام» في 4 شهور فقط!

هذا الحساب وحسابات أخرى مشابهة، بدأت تلفت الأنظار لأنها تستقطب ملايين المتابعين.. وفي هذه اللحظات بدأت العديد من وسائل الإعلام الأمريكية متابعة هذه الحسابات ومحاولة التواصل مع أصحابها، باعتبار فوستر مثلاً نموذجاً باهراً لمجندة أمريكية تخدم وطنها وقت الحرب، وبالتالي الحصول على تعليقاتها في موضوعات كثيرة تتعلق بمجريات الحرب.

وسائل الإعلام فشلت في الوصول إلى صاحبة الحساب، ثم كانت المفاجأة أن الجيش الأمريكي بإدارته المختلفة نفى وجود سجلات لأي شخص يدعى جيسيكا فوستر، وهكذا تم الاكتشاف المذهل في النهاية، وهو أن جيسيكا ليست شخصية حقيقية، بل هي افتراضية ومولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

السؤال الطبيعي الذي يفترض أن يطرحه الجميع في كل مكان هو: من الذي يفعل ذلك؟ وهل هناك حسابات معروفة في بلدان أخرى مثل حالة فوستر، ولكنها وهمية وافتراضية؟ وما خطورة ذلك على المجتمعات؟ ومن المستفيد الحقيقي منها؟

بعض وسائل الإعلام الأمريكية حاولت الإجابة عن هذا السؤال بالفعل، وقالت إن مثل هذه الحسابات المزيفة بدأت تنتشر بكثرة، خصوصاً في أوساط اليمين المتطرف، حيث يتم توظيف مثل هذه الحسابات المزيفة لكن بطريقة واعية ومقنعة من أجل استقطاب الجماهير، وبالتالي ليس فقط تحقيق مكاسب مالية، لكن، وهذا هو الأخطر، التأثير في الرأي العام بصورة تحقق الهدف المطلوب للجهة التي تقف وراء ذلك.

التطور المذهل في التكنولوجيا يسهل إيجاد العديد من نسخ جيسيكا فوستر في أي مكان بالعالم، والخطر أن يتم توظيف مثل هذه الحسابات في أوقات الأزمات أو حتى أوقات الراحة، من أجل حشد الرأي العام خلف قضية أو موقف معين. وطبقاً لخبراء الإعلام الأمريكيين فإن ظهور فتاة جميلة بزي عسكري بجوار كبار القادة والمسؤولين يضفي عليها قوة استثنائية.

وطبعاً ما فعلته فوستر لا ينطبق فقط على الولايات المتحدة، فكل الأطراف خلال الصراعات الحديثة باتت تلجأ إلى الذكاء الاصطناعي لتعزيز سرديتها وتشويه سردية الخصم أو العدو. من بين أخطر ما قرأته في هذه القضية هو ما قالته جوان دونفان الأستاذة في جامعة بواسطن إن الذكاء الاصطناعي ساعد على سهولة تكاثر هذه الحسابات، وبالتالي يمكن بسهولة تحويل هذا النوع من الاحتيال إلى حرب معلوماتية يتم خلالها توظيف جيوش من الحسابات الآلية لنشر المعلومات المضللة، وبالتالي يجد القارئ أو المشاهد أو المستهلك نفسه في حالة خطيرة من التزييف العميق لكل شيء.