في زمن أصبحت فيه الأخبار تتكاثر أسرع من الفيروسات، وتتناقض أسرع من وعود السياسيين، يجد المتابع نفسه أمام مشهد عبثي لا يعرف إن كان عليه أن يقلق، أم يضحك، أم يطفئ الهاتف ويذهب ليصنع كوب شاي، فكلما أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحاً عن الحرب مع إيران، جاء بعده بساعات ليقول شيئاً يناقضه تماماً، وكأن السياسة تحولت إلى برنامج تلفزيون واقع لا يعرف أحد إن كان مكتوباً أم مرتجلاً.
وبينما يتسابق الإعلام على التقاط كل كلمة، وكل «مصدر مطلع»، وكل تغريدة، يصبح الجمهور هو الضحية الأولى لهذا السيرك المفتوح على مدار الساعة، حيث لا شيء ثابتاً سوى الفوضى، ولا شيء مؤكداً سوى أن المتابع سيخرج منه مرهقاً أكثر مما دخل.
ومع هذا الضخ الإعلامي المتناقض، تتولد لدى الناس مجموعة من الاضطرابات النفسية والسلوكية التي باتت تُعرف في الأدبيات الحديثة باسم إجهاد الأخبار، وهو شكل من أشكال الإرهاق الذهني الناتج عن التعرض المستمر لمعلومات متوترة وغير مستقرة.
هذا النوع من الإجهاد لا يقتصر على الشعور بالانزعاج، بل يمتد إلى اضطرابات واضحة مثل الإجهاد الفكري الناتج عن محاولة العقل معالجة كم هائل من المعلومات المتعارضة، والإجهاد النفسي الذي يتجلى في القلق والتوتر وصعوبة التركيز.
وقد أظهرت دراسة لجامعة بنسلفانيا نشرت عبر مجلة الجمعية الأمريكية للعلوم السيكولوجية American Psychological Association أن التعرض المتكرر للأخبار السلبية يرفع مستويات هرمون الكورتيزول المسؤول عن التوتر، ويؤثر مباشرة في جودة النوم والقدرة على اتخاذ القرار.
كما يشير تقرير معهد «رويترز» 2024 إلى أن 39 % من الجمهور العالمي بات يتجنب الأخبار عمداً بسبب الإرهاق النفسي الناتج عن كثافة التغطية، وهي نسبة لا شك أنها ارتفعت الآن بشكل أكبر، خاصة مع ظاهرة سياسية كدونالد ترامب وتصريحاته المتسارعة والمتناقضة في حربه مع إيران.
وتظهر لدى البعض أعراض تشبه ما يُعرف بالاحتراق المعرفي، حيث يفقد الشخص القدرة على متابعة الأحداث أو حتى الرغبة في فهمها، ويشعر بأن كل معلومة جديدة تزيد من عبء لا يستطيع تحمله.
وفي حالات معينة، يؤدي هذا الضغط إلى اضطرابات النوم، وتشتت الانتباه، وفرط اليقظة، وهي حالة يبقى فيها العقل في وضع الاستنفار المستمر، كأنه ينتظر خبراً سيئاً في أي لحظة.
ومع الوقت، يفقد الناس ثقتهم في التحليلات، ثم في الأخبار نفسها، ثم في قدرتهم على فهم ما يجري، وهنا يبدأ الشعور بالعجز، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان في زمن الأزمات.
ولأن الإنسان بطبيعته يبحث عن اليقين، فإن غياب اليقين في الخطاب السياسي يزيد من الضغط، فحين يقول ترامب شيئاً في الصباح ويناقضه في المساء يشعر المتابع بأن الحقيقة نفسها أصبحت غير قابلة للإمساك.
هذا الشعور يخلق حالة من الارتباك الوجودي، حيث لا يعود الفرد قادراً على التمييز بين الواقع والضجيج، بين المعلومة والتحليل، بين ما يجب أن يقلق بشأنه وما يجب تجاهله. ومع الوقت يبدأ كثيرون في تجنب الأخبار عمداً، ليس لأنهم غير مهتمين، بل لأنهم مرهقون.
وهذا التجنب بحد ذاته مؤشر على حجم الأزمة النفسية التي يسببها المشهد الإعلامي والسياسي.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في السياسيين ولا في الإعلام، بل في الطريقة التي يتعامل بها الناس مع الأخبار، فالتصفح المستمر، والبحث عن التحديثات اللحظية، والاعتماد على مصادر متعددة ومتضاربة، كلها عوامل تزيد من الضغط.
الإنسان يحتاج إلى مسافة آمنة بينه وبين الأحداث، يحتاج إلى وقت ليفكر ويستوعب، يحتاج إلى حدود تحميه من الانغماس الكامل في الضجيج، ومع ذلك يجد نفسه في عالم لا يمنحه هذه المساحة، عالم يطالبه بأن يكون حاضراً دائماً، متابعاً دائماً، قلقاً دائماً، وكأن الهدوء أصبح رفاهية لا يستحقها إلا من يعيش بلا إنترنت.
وفي ختام هذا المشهد المرهق، نصيحتي: لا تتعب نفسك في مطاردة تصريحات لا يثق أصحابها بها أصلاً، ولا تسمح لسيل التحليلات المتناقضة أن يسرق منك هدوءك. اختر مصدرين أو ثلاثة، تابعهم بقدر، ثم أغلق الهاتف واذهب لتعيش حياتك، فالعالم لن يصبح أكثر استقراراً لأنك قرأت خبراً إضافياً، لكنك أنت ستصبح أكثر توتراً بالتأكيد.