بينما القيم والتوجهات لها دور مهم في تشكيل السياسة، بل إن العواطف والانفعالات تلعب دوراً في صياغة السياسة، لا سيما السياسة الشعبية.
ولكن يمكن تعريف الثقافة السياسية بالتوجه الفردي والجماعي تجاه السياسة. بمعنى آخر تأثير التفكير والعاطفة والمعتقدات في صياغة التوجه السياسي دون اعتبارات للمكاسب المادية.
السؤال هو هل يصوت الناخب الأمريكي بسبب ما يعتقد به أو قيمه أم أنه يصوت بسبب وضعه الاجتماعي والاقتصادي؟ هل يصوت هذا الناخب لأن هذا المرشح يدعو للصلاة في المدارس العامة ويناهض الإجهاض أم أنه يصوت له لأن سياساته الاقتصادية تقلل من التضخم وتوفر وظائف للأفراد؟
وهذه التصنيفات التي استحدثها الأستاذان ذات دلالة مهمة من ناحية استقرار واستمرارية الأنظمة السياسية التي تصنّف على أنها ديمقراطية.
أما الثقافة الخاضعة فهي تدل على أن الأفراد لديهم معرفة بالنظام السياسي ومؤسساته ولكن ليس لديهم الإيمان بالقدرة على التأثير. أما الثقافة الضيقة فاهتمامها -كما يشير الاسم- هي محيطها المباشر، ولا تعلم عن النظام السياسي ولا عن تركيبته ولا تعتقد بقدرتها على التأثير.
وقد جاءت نتائج البحث الذي استغرق أعوام بما هو متوقع. احتلت بريطانيا المرتبة الأولى في امتلاكها ثقافة سياسية مشاركة، حيث جمع البريطانيون بين المشاركة النشطة والثقة بالتأثير، وفي الوقت نفسه الالتزام بالقوانين واحترام السلطة السياسة، ما يسهل عملية الحوكمة.
أما الإيطاليون فيبدو أنهم يعانون من الاستلاب السياسي بسبب انخفاض الرأسمال الاجتماعي.
ويبدو أنهم متقوقعون على حلقاتهم الضيقة مثل العائلة، أو فئوية سياسية وحزبية والتي تؤدي إلى تشرذم. وبالنسبة للمكسيك، حسب ما جاء في الدراسة، تمر بمرحلة ثقافة سياسية انتقالية، حيث تجمع بين الثقافة السياسية الضيقة والاعتزاز بالوطن والثورة المكسيكية.
ورغم أن الدراسة مر عليها وقت طويل إلا أن مضمونها ما زال مؤثراً. وقد انتقدت الدراسة من عدة أوجه وتطور المفهوم على يد باحثين كثر، وتخطى السياسة إلى قضايا التنمية والتطور. ويرى البعض أن الثقافة الكونفوشيوسية كان لها الأثر في تطور النمور الآسيوية والصين.
ولكن السؤال الأزلي هو هل الثقافة لها تأثير مباشر على السياسة أم أن السياسة والنظام السياسي هو الذي يؤثر على أنماط الثقافات السياسية؟ أبو العلاء المعري يجنح إلى الأخير حيث يقول: وَيَنشَأُ ناشِئُ الفِتيانِ مِنّا عَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ.