خليل الهاشمي.. رحلة فن وإبداع من المنامة إلى لينينغراد

يعاني فن النحت في العالم العربي من الضمور، بسبب انصراف الكثيرين عن دراسته، وتحول المتخصصين فيه إلى فنون أخرى. هذا على الرغم من التاريخ العريق للنحت في البلاد العربية.

والتي انطلق في العصور الغابرة من بلاد الشام وبلاد الرافدين، ناهيك عن اهتمام مصر، تحديداً، به منذ عقود طويلة، بدليل انتشار التماثيل والمجسمات في ميادينها وساحاتها وشوارعها أكثر من أي قطر عربي آخر، وازدحام تاريخها المعاصر بأسماء قامات كبيرة من النحاتين الذين تعلموا أصول هذا الفن في معاهد عالمية متخصصة، مثل محمود مختار وعبدالهادي الجزار.

وإذا ما تحدثنا عن فن النحت في دول الخليج العربية فإننا نجد تفاوتاً في تاريخ نشأته والاهتمام به، وعدد المتخصصين فيه بين قطر خليجي وآخر، لكن يمكن القول بصفة عامة إنه مجال لم يخُضْه سوى عدد محدود من الفنانين، بسبب عوامل مختلفة على رأسها موضوع التحريم.

وعلى الرغم من المحظورات والعوائق تمكنت هذه القلة من النحاتين في الخليج من تقديم أعمال تعبر عن الهوية الثقافية باستخدام المواد المحلية والرموز التراثية والزخارف العربية وفنون العمارة الإسلامية، أو تعبر عن التحولات الاجتماعية والفكرية في المنطقة.

وبعض الأحداث المفصلية في تاريخها، كما نجحت هذه القلة في التفاعل مع الاتجاهات الفنية الحديثة دون التخلي عن جذورها الثقافية، فجاءت أعمالها متميزة بطابع يجمع بين الحداثة والأصالة.

من بين النّحاتين الخليجيين القلة برز اسم الصديق النّحات والفنان التشكيلي البحريني خليل الهاشمي، الذي وافاه الأجل المحتوم في 9 ديسمبر 2022، من بعد معاناة طويلة مع مرض عضّال، فتمت الصلاة عليه، وشيع جثمانه إلى مثواه الأخير بمقبرة المنامة.

وفي هذه المادة نحاول تتبع رحلة الفقيد في الفن والحياة منذ نشأته حتى مماته، توثيقاً لسيرته وتعريفاً به لمن لم يعاصره أو يتتلمذ على يده أو يقترب من فنه الجميل.

لقد كان رحيله مؤلماً وصادماً لكل العاملين في الساحة الفنية والثقافية البحرينية، كيف لا وهو الذي أثرى الساحة بمنحوتاته واشتغالاته، وكان على مدى سنوات واحداً من أعمدة فنون النحت في مملكة البحرين، تشهد على ذلك إسهاماته في إغناء الحركة التشكيلية.

ورفد الحركة الثقافية، دعك من تفاعله الجميل مع الهم الإنساني، وإيمانه العميق بفن النحت كونه فناً خالداً يتحدى الزمن، ويعبر الأجيال والفضاءات، ويجسد قدرة الإنسان على الإبداع والتجديد.

لقد مرت أربع سنوات على رحيله عن دنيانا، لكن عملاً من أعماله الجميلة يقف إلى اليوم صامداً أمام أنظار عشرات الآلاف من مواطنيه في غدوهم ورواحهم إلى أعمالهم وبيوتهم كل يوم وساعة، ونعني بذلك مجسم «سرب الطيور»، الذي ينتصب شامخاً في «تقاطع الغوص» بالقرب من «مستشفى الملك حمد»، مستقبلاً القادمين من المنامة، والذاهبين إليها عبر «جسر الشيخ عيسى بن سلمان».

وفي عمله هذا أبدع الفقيد، حيث قدم توليفة، إذ زاوج فيه بين ترقرق أجنحة الطير المحلق في السماء، وبين ترقرق الماء وحركة سطح البحر، على حد تعبير محرر الصفحة الثقافية بجريدة الأيام البحرينية (10/12/2022).

ولد «خليل علي إبراهيم الهاشمي» (أبو رامي) بفريج «أبوصرة» بالمنامة سنة 1949، وترعرع وسط بيوتها البسيطة، وأزقتها الضيقة، ومنذ سنوات دراسته النظامية المبكرة بمدارس البحرين عُرف عنه شغفه بالفنون، ليبدأ في أواخر ستينيات القرن العشرين فترة جديدة من حياته.

تميزت بالانفتاح على مختلف المجالات والميادين الفنية والثقافية، وتجسدت في شروعه بمصاحبة ومجالسة الفنانين والرسامين التشكيليين الرواد، بهدف التعلم منهم، والاستفادة من تجاربهم وأساليبهم في أعمالهم الإبداعية.

وهكذا تتلمذ الهاشمي على يد أسماء بحرينية رائدة مثل عبدالكريم العريض، وناصر اليوسف، وعبدالكريم البوسطة، وحسين السني وغيرهم، كما رافق وصادق مَن في عمره مِن هواة الفن والرسم والنحت، مثل الفنان التشكيلي الموسوعي خليل ترابي، وتبادل الأفكار والآراء معهم.

ومما لا شك فيه أن مخالطته لكل هؤلاء، لئن أوسعت مداركه فنياً وثقافياً وأطلعته على أمور كان يجهلها، فإنها من ناحية أخرى مهّدت الطريق أمامه ليصبح مدرساً لمادة التربية الفنية في إحدى مدارس المنامة الحكومية للبنين، ناهيك عن أنها رسخت لديه خيار الفن كونه مجالاً مهنياً لا رجعة فيه.

بعد فترة من الزمن توصل إلى قرار مصيري حاسم حول مستقبله، إذ شعر بحاجته إلى صقل مواهبه الفنية بالدراسة الأكاديمية خارج البحرين، وبطبيعة الحال لم يكن في مقدوره آنذاك تحقيق ذاك الحلم لأسباب مادية.

فسعى للحصول على منحه طلابية من المنح التي كان يقدمها الاتحاد السوفييتي السابق لطلبة بلدان العالم الثالث للدراسة في المعاهد والجامعات الروسية.

وهكذا شد الهاشمي، مع مطلع سبعينيات القرن العشرين، الرحال وحيداً إلى بلاد بعيدة مجهولة، لا يعرفها من أجل إشباع ميوله الفنية، فحل بمدينة لينينغراد «سانت بطرسبرغ حالياً» الجميلة المكتنزة بالمتاحف والتماثيل والقصور والمنحوتات، والتحق هناك بكلية النحت في أكاديمية الفنون، التي منحته درجة الماجستير سنة 1980.

ويمكن القول إن الهاشمي كان محظوظاً لدراسته في هذه المدينة التاريخية العريقة، التي كانت يوماً ما عاصمة للقياصرة الروس، فعلاوة على ما تعلمه في كليته من معارف تعلم أشياء كثيرة أخرى، من خلال تردده على المتاحف والقصور، واحتكاكه بزملائه القادمين من مختلف البلدان وسائر الثقافات المتباينة.

إلى ذلك تعلم اللغة الروسية حتى أتقنها، والتقى بمن صارت شريكة حياته وأم ولديه «رامي وأيمن»، وهي سيدة روسية فاضلة وخلوقة، أخلصت له ورعته في سنوات مرضه إلى آخر يوم في حياته.

أخبرني الهاشمي قبل وفاته بسنوات أنه حينما سافر إلى الاتحاد السوفييتي لم يكن عازماً على دراسة النحت، لكنه أدرك، وهو هناك أن النحت هو فن التخليد والتعبير عن قضايا الوجود والحياة، فاختار التخصص فيه وأبدع.

لكنه إلى جانب فن النحت باستخدام الخشب والبرونز والحجر انشغل صاحبنا بفن الرسم والتصوير أيضاً ومارسه، ونجد تجليات ذلك في لوحاته التشكيلية، التي يطغى على معظمها قضايا الإنسان الضعيف المهمش، مع استثناءات اختار فيها عناصر الطبيعة موضوعاً.

ويمكنني القول، بحكم صداقة جمعتنا على مدى عشر سنوات، إن الفقيد كان رجلاً عصامياً بنى نفسه بنفسه، واكتسب ثقافته واطلاعه أيضاً بالاعتماد على نفسه، واتصف برهافة الحس في القول والعمل، والابتعاد عن الثرثرة والتباهي، والتعبير عما بداخله بإيماءات تصاحبها ابتسامات وحركات يد أنهكتها المطارق والمشارط، وأتعبها الأزميل والمبرد.

كان يرى أننا نعيش عصراً يتحرك سريعاً، بفضل الاختراعات والاكتشافات العلمية العظيمة، ما أدى لزعزعة عرش الفن، وكان مؤمناً بأن الحداثة ليست أيديولوجية، بل ممارسات سعى إليها الإنسان الباحث عن الجديد والمثير منذ القدم، وأن لكل حداثة خصوصيتها المختلفة، التي تميزها عن غيرها.
بعد أن عاد صاحبنا من رحلته الدراسية في بلاد السوفييت، حاملاً درجة الماجستير في فن النحت، وبعد أن أصبح معروفاً في الوسط الفني البحريني كونه نحّاتاً لا يشق له غبار منذ مطلع التسعينيات، شارك في العديد من الملتقيات والسمبوزيومات الفنية المحلية والخليجية والعربية والدولية.

وكانت انطلاقته الأولى على هذا الصعيد من لبنان، ثم راح يقيم معارضه الشخصية والمشتركة في دول مثل كوبا وروسيا والهند وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية والبرتغال، فذاع صيته وبرز اسمه كونه واحداً من رموز المشهد الفني البحريني، وأحد أهم نحّاتي الخليج العربي، وأصبحت أعماله معروضة في العديد من المتاحف المحلية والأجنبية.

ففي البحرين عرضت أعماله وفنونه بمتحف البحرين الوطني، كما أقيم له معرض في مارس وأبريل سنة 2018 تحت اسم «الجنة المفقودة» في عمارة بن مطر بالمحرق، وذلك تزامناً مع فعاليات موسم «ربيع الثقافة» الثالث عشر، وقد ضم المعرض منحوتات متعددة، مختلفة التكنيك ذات أفكار متنوعة، تدور حول «الجنة المفقودة».

كما أن المعرض كان بمثابة رحلة استكشاف في أعمال الهاشمي النحتية المتنوعة على مدى خمسين عاماً، غير أن صاحبنا ظل يعبر عن أسفه لعدم وصول فن النحت في البحرين إلى المستوى الذي يستحقه، معتبراً أن فنوناً أخرى كالرسم والتصوير نالت مكانة مرموقة واهتماماً أكبر من لدن الجهات الرسمية والمؤسسات الخاصة.

لكن النحت ظل بعيداً عن الاهتمام، فلم يلعب دوراً ريادياً سواء في إبراز مواضيعه أوفنياته، وفي السياق نفسه أعرب الهاشمي في ختام أمسية حملت اسمه بأسرة الأدباء والكتاب البحرينية سنة 2013 عن ألمه لمشاهدة أعمال نحتية قبيحة، تستخدم كونها نُصباً في البحرين إلى درجة أن من يراها من الزوار يعتقد بعدم وجود فن النحت في البلاد.

كما تساءل عن أسباب الإصرار على وضع المجسمات والمنحوتات في بعض «الدوارات» دون الساحات والميادين والحدائق والشوارع، مذكراً بأن الأعمال النحتية الضخمة لا تتنفس إلا في الساحات والميادين الفسيحة.

في عام 2019 شرع الهاشمي في التعاون مع «دار ديفجي أوروم» للمجوهرات، التي تعد واحدة من أعرق دور تصميم وصناعة المجوهرات والماس بمملكة البحرين، ولها من العمر نحو سبعة عقود، وقد أثمر تعاون الهاشمي معها ومع صاحبها ماهيش ديفجي عن إطلاق سلسلتها الأيقونية المستوحاة من طيور البيئة المحلية.

حيث عمل الهاشمي على نحت مجموعته الفنية من الطيور على الخشب، ثم قام مصممو ديفجي بتحويلها إلى قطع من المجوهرات، تنوعت بين أطقم وأساور باستخدام معادن الذهب الأبيض والأصفر والوردي الممزوج مع الألماس.

وفي هذا السياق أعرب الهاشمي آنذاك عن سروره بدخول هذا المجال الجديد، مضيفاً: «منذ طفولتي في شواطئ المنامة كنت دائماً مسحوراً بطيور النورس، التي تطير فوق الرمال، ثم تحلق أسرابها في الرياح كونها مخلوقات تتراقص بين عالمين.

ومنذ أن غدوتُ فناناً وأنا أتوق للاحتفاء بروح الحرية الأبدية، التي أعبر عنها من خلال منحوتاتي، وقد مكنني التعاون مع «دار ديفجي أوروم» من تجسيد معاني السلام والحرية، وتحويلها إلى رموز تقتنى من قبل من يقدر هذه المعاني السامية»، واختتم حديثه بعبارة «آمل أن تجد تلك الطيور أعشاشاً في قلوبكم، مثلما وجدت طريقها إلى قلبي».

في سيرة الهاشمي سنوات طويلة من المعاناة، تحدث عنها صديقه محمد علي حسين في مقال نشرته صحيفة «الأيام» (27/1/2021)، فقد عانى في صغره من الفقر، وعانى في كبره من المرض، وعانى بعد تخرجه من الاتحاد السوفييتي من البطالة، وما بين هذه المعاناة وتلك عانى طويلاً من فراق زوجته، التي لم يُسمح لها بدخول البحرين، بسبب الظروف السياسية المعروفة.

لكن الرجل المجبول على التحدي تمكن بالإرادة والتصميم والعزيمة والأمل أن يتجاوز كل الصعاب، فقاوم الفقر والمرض والوحدة، ثم وجد حلاً لبطالته بالسفر إلى دولة الكويت بحثاً عن لقمة عيش شريفة، وهناك أخفى عن الجميع حقيقة كونه نحّاتاً، وامتهن التدريس بصفته متخصص ديكور، وعمل بصمت، وبمعزل عن الآخرين. قال الهاشمي عن واقع تدريسه:

«أحسني أضحك على نفسي، فحين تحاول تمرير ما تملك وتأخذ بمواهب التلميذ إلى الإبداع تصطدم بالتفاصيل الوظيفية السخيفة».
وقبل وفاته بأربع سنوات، وتحديداً في 11 ديسمبر 2018، تحقق أحد أحلام الهاشمي، التي ظلت محبوسة في صدره لزمن طويل، وهو أن يرى عملاً من أعماله النحتية وقد وضع كونه نُصباً في مكان عام من وطنه البحريني.

ففي ذلك التاريخ دشنت هيئة البحرين للثقافة والآثار نُصبه الفني «سرب الطيور» في تقاطع الغوص بالمحرق، ضمن مشروع «تجميل المدن»، وقتها فرح الرجل كما لم يفرح من قبل، فقال ما مفاده، إن الأمكنة يجب ألا تترك كونها مساحات خاوية.

لأنها شكل من أشكال التأسيس للذاكرة والوعي الإنساني، فهي دائماً بحاجة لما يضفي عليها روحاً تستطيع بها أن تخاطب أرواح المارة. وأضاف أنه مفتون بالرمزية، التي تجسدها الطيور، فقرر أن يحولها من الرمزي إلى الروحي، ومن الإجمالي إلى الدقيق عبر تجريدها.

وطبقاً للهاشمي فإن عمله النحتي هذا استغرق أكثر من خمس سنوات ما بين الدراسة والتخطيط والتنفيذ، والبحث عن الشركة الألمانية المتخصصة في إيجاد الحلول للأعمال الفنية إلى أن تحقق الحلم، وتم الإنجاز.

مشيراً إلى أنه تقرر تقليص عدد الطيور، وتقليص ارتفاع النصب من 15 متراً إلى سبعة أمتار، بسبب التكاليف الباهظة، التي تحملتها هيئة الثقافة والبنك الأهلي المتحد، وشركة (DHL)، وشركة فهد بن عبدالرحمن القصيبي.