إيران والتلاعب بقواعد اللعبة

ليست كل الحروب تحسم بالجيوش والصواريخ والطائرات.. بعض الحروب تحسم بإرباك الخصم واستنزاف وقته، ودفعه إلى القتال في الميدان الذي يختاره الطرف الآخر.

وهذا تحديداً ما يبدو أن إيران قد نجحت فيه خلال الأشهر الماضية من المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية، فعندما اندلعت الأزمة في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، كان العالم يتحدث عن البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، وشبكة الأذرع المسلحة التي تمد نفوذ طهران من الخليج إلى البحر المتوسط.

كانت تلك هي عناوين الأزمة، وهي الأسباب التي دفعت واشنطن إلى رفع سقف المواجهة، لكنّ شيئاً فشيئاً اختفت تلك الملفات من واجهة النقاش، ليحل محلها عنوان جديد هو مضيق هرمز وحرية الملاحة، وأمن إمدادات الطاقة، وهنا تكمن براعة طهران.

فقد نجحت في نقل المعركة من ملعب كانت فيه في موقع المتهم، إلى ملعب أصبحت فيه طرفاً لا يمكن تجاوزه. ولم يعد السؤال المطروح: كيف يمكن وقف البرنامج النووي الإيراني؟ وإنما: كيف يمكن إعادة فتح مضيق هرمز؟ والفرق بين السؤالين هو الفرق بين من يدافع عن نفسه، ومن يفرض شروط اللعبة.

أكثر ما يكشف هذا التحول هو ما صدر عن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خلال الأسابيع الماضية، فقد كرر أكثر من مرة تهديده بتوجيه ضربة كبرى وقاسية لإيران إذا لم تفتح المضيق أمام الملاحة الدولية، كانت اللغة حاسمة، والرسائل شديدة اللهجة.

وكأن قرار الحسم قد اتُّخذ بالفعل، لكن ما إن تمضي ساعات أو أيام حتى تتغير النبرة، ويتراجع التهديد، ويعود الحديث إلى منح الدبلوماسية فرصة جديدة، قبل أن يتكرر المشهد مرة أخرى، وكان آخر فصوله الأحد الماضي.

هذا التذبذب لم يمر مرور الكرام في طهران؛ فالإيرانيون يقرؤون السياسة الأمريكية جيداً، ويدركون أن القوة العسكرية شيء، واتخاذ قرار استخدامها شيء آخر، ويعرفون أن الرئيس الأمريكي لا يحسب نتائج الضربة العسكرية وحدها، ولكنه يحسب أيضاً أثرها في الاقتصاد العالمي وأسعار النفط، وأسواق المال وردود فعل الحلفاء وانعكاساتها على الداخل الأمريكي.

ومن هنا، يبدو أن إيران نجحت في جر الولايات المتحدة إلى اللعبة التي تتقنها منذ عقود «لعبة الوقت» إنها لا تبحث عن انتصار عسكري، بل عن استنزاف القرار السياسي لدى خصمها. وكل يوم يمر من دون تنفيذ التهديدات الأمريكية يمنحها سبباً إضافياً للاعتقاد بأن سياسة المماطلة لا تزال تحقق أهدافها.

ليس من قبيل المبالغة القول إن مضيق هرمز تحول إلى أكثر من ممر مائي، لقد أصبح ورقة تفاوض، وورقة ابتزاز، وورقة اختبار لإرادة الولايات المتحدة في آن واحد، فبدلاً من أن يكون البرنامج النووي هو محور الأزمة، أصبحت واشنطن مطالبة أولاً بضمان تدفق النفط، وتأمين الملاحة، وطمأنة الأسواق العالمية، هكذا تغير ترتيب الأولويات، وربما تغيرت معه قواعد اللعبة كلها.

هذا لا يعني أن الولايات المتحدة فقدت أوراقها، فهي لا تزال تمتلك من أدوات الضغط العسكرية والاقتصادية ما يجعلها الطرف الأقوى، لكن امتلاك القوة لا يكفي إذا ظل القرار محاصراً بالتردد، أو إذا سُمح للخصم بأن يفرض إيقاع الأزمة؛ ففي السياسة كما في الحرب ليست القوة وحدها هي التي تحسم النتائج، بل القدرة على استخدامها في اللحظة المناسبة.

وقد أثبتت التجربة أن إيران بارعة في شراء الوقت، تفاوض وهي تُصعّد، وتعد بالتهدئة وهي ترفع سقف مطالبها، وتفتح باباً للحوار في حين تفتح في الوقت نفسه أبواباً جديدة للأزمة. إنها سياسة تقوم على إغراق الخصم في التفاصيل، حتى ينسى القضية الأساسية التي جاء من أجلها.

السؤال الذي لا يملك أحد إجابة قاطعة عنه حتى الآن هو: إلى متى يستطيع الرئيس الأمريكي مواصلة سياسة التهديد من دون تنفيذ، وإلى أي مدى تستطيع إيران مواصلة اختبار حدود الصبر الأمريكي؟

التاريخ يعلمنا أن سياسة التسويف قد تنجح مرات كثيرة، لكنها لا تنجح إلى الأبد، كما يعلمنا أن التهديد الذي يتكرر من دون أن يتحول إلى فعل، يفقد شيئاً من هيبته في كل مرة. وبين تسويف طهران، وتردد واشنطن، يبقى الخليج هو من يدفع ثمن لعبة سياسية لا يبدو أن أحداً يعرف متى تنتهي، أو كيف تنتهي.