قصة هاني شنودة مع محمد عبد الوهاب

فوجئت الأوساط الفنية في مصر في 20 يوليو المنصرم بوفاة الموسيقار والملحن والموزع المصري الكبير هاني شنودة، المولود في طنطا بتاريخ 29 أبريل سنة 1943، والمتخرج في كلية الموسيقى عام 1966 قبل التحاقه بالمعهد العالي للموسيقى (الكونسيرفتوار).

والمعروف أن لهاني شنودة فضل الريادة في تكوين أول فرقة موسيقية في مصر تحت اسم «فرقة المصريين»، بفكرة أطلقها ودعمها صديقه الروائي النوبلي نجيب محفوظ.

وهكذا رحل عن دنيانا فنان عظيم قام باكتشاف العديد من الأصوات الشابة (مثل محمد منير وعمرو دياب) وقدمها للجمهور في ألبومات من ألحانه، وصنع مجموعة من القطع الموسيقية الرائعة بالاعتماد على الهارموني والكونتربوينت، ووضع الموسيقى التصويرية للعديد من الأفلام السينمائية المصرية (مثل «المشبوه» و«الحريف» و«غريب في بيتي» و«الغول» و«الأسطى المدير» و«شقة الأستاذ عليوة» و«الأفوكاتو»).

للراحل شنودة قصة مع موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب والمطربة نجاة الصغيرة، رواها بنفسه قبل وفاته للإعلامي محمود سعد في برنامج «كامل العدد»، ونشرت تفاصيلها صحيفة الشروق المصرية (20 / 7 / 2026).

وملخص الحكاية أن شنودة (الذي لم يعمل مع عبدالوهاب قط لكنه حضر بروفات إحدى أغنياته، وانزعج من طريقته الصارمة في توجيه العازفين وإجبارهم على أمور تعجيزية)، تلقى اتصالاً من المطربة نجاة الصغيرة، أخبرته فيه أنه مدعو معها للغداء في منزل عبدالوهاب، بقصد التعاون في إعادة التوزيع الموسيقي لبعض أغاني عبدالوهاب القديمة (مثل: «يامسافر وحدك»، و«ماكانش ع البال» و«يا ناسية وعدي») كي تعيد نجاة غناءها بصوتها.

يقول شنودة، عبقري الموسيقى، خفيف الظل، حلو الحديث، موسوعي الاطلاع، إنه رفض الدعوة والمشروع في البداية لعدم رغبته في التعاون مع عبدالوهاب، تجنباً لاحتمال حدوث مشادات وخلافات بينهما، لكنه وافق لاحقاً تحت إصرار نجاة وإلحاحها ورجائها. فماذا حصل يا ترى؟

بعد انتهاء الغداء بمنزل عبدالوهاب ــ والكلام لهاني شنودة ــ جلستُ أنا ونجاة في غرفة تضم جهازاً لتنقية الهواء وآلة أورغ، وطلب مني الأستاذ أن أعزف لحناً كان قد وضعه لنجاة، وبعد انتهاء العزف ظل عبدالوهاب يطلب إعادة العزف المرة تلو المرة، حتى وصل الأمر إلى نحو 20 مرة، ما جعلني «أزهق» وأغلق الأورغ متذمراً.

يضيف شنودة أنه همّ بالانصراف مع نجاة منزعجاً ومعاتباً نفسه على قبول دعوة الغداء، لكن قبل انصرافهما تحدثت نجاة مع عبدالوهاب على انفراد، ثم عادت لتقول إن موسيقار الأجيال مصرّ على التعاون معك دون غيرك لأنه يراك «أقرب الخواجات لينا»، وذلك في إشارة إلى أسلوب شنودة الأكاديمي وثقافته الموسيقية الموسوعية، أو بعبارة أخرى أن شنودة «رجل فاهم مش حافظ».

وهكذا، كانت تلك العبارات كفيلة بأن تطيب خواطر شنودة وتجعله يتعاون مع عبدالوهاب في تجديد وإعادة توزيع أعماله القديمة، بعد أن أدرك أن المقصود بعبارة «أقرب الخواجات لينا» هو «أقرب الملحنين المتعلمين».

وكان من نتائج هذا التعاون أن غنت نجاة أغنية «يا مسافر وحدك» (كلمات حسين السيد، وغناها عبدالوهاب من ألحانه في فيلم ممنوع الحب سنة 1942) بطريقة حديثة وجميلة بعد قيام شنودة بإعادة توزيعها موسيقياً، وكذا الحال مع أغنية «ماكانش ع البال» (كلمات الشاعر أحمد عبدالمجيد، والبعض ينسبها إلى حسين السيد)، وأغنية «يا ناسية وعدي» (كلمات أمين عزت الهجين، وغناها عبدالوهاب من ألحانه في فيلم «يوم سعيد» سنة 1939).

ومما يجدر بنا ذكره في هذا المقام أن شنودة قام أيضاً بإعادة توزيع أغنية أخرى من ألحان محمد عبدالوهاب بأسلوب عصري، هي أغنية «أهواك» التي غناها العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ لأول مرة سنة 1957 في فيلم «بنات اليوم» من كلمات حسين السيد، حيث قدم شنودة الأغنية بثلاثة توزيعات ومقامات مختلفة بالآلات الحديثة.