وربما قطعوا المسافات بحثاً عن معلومة أو إجابة أو فرصة للتعلم. تتلمذوا على أيدي الأساتذة والخبراء، وأنصتوا إليهم، وقرأوا وبحثوا وسألوا، ثم حملوا ما تعلموه إلى ميادين الحياة، فاختبروا المعرفة بالممارسة، وصقلوها بالتجربة، وأعادوا المحاولة كلما أخطأوا.
ولهذا لم تكن خبرتهم حصيلة معلومات متفرقة، بل ثمرة رحلة طويلة من التعلم والمثابرة، تراكمت فيها السنوات حتى تحولت المعرفة إلى بصيرة، والتجربة إلى حكمة.
ومن البحث في الكتب والمكتبات إلى عالم تفيض فيه المعلومات في كل لحظة. شهد تغير الأدوات والوسائل، وتبدل أنماط الحياة والعمل والتواصل، وتعلم كيف يستوعب الجديد ويتكيف معه من دون أن يفقد ما اكتسبه من قيم وخبرة.
ولعل هذه الرحلة بين زمنين هي إحدى أثمن ما يملكونه اليوم، لأنها منحتهم فهماً للحياة لا يأتي من المعلومات وحدها، بل من المعايشة وطول التجربة.
والأجمل أن تتحول هذه المرحلة إلى فرصة لمنح الآخرين شيئاً من حصيلة العمر، حين يضع الإنسان خلاصة ما تعلمه وخبره بين أيدي من يحتاج إليها.
وفي ذاكرتهم وخبراتهم معرفة لا توفرها الكتب ولا تختصرها التكنولوجيا. ومن الحكمة أن نحسن الإصغاء إليهم، وأن ننهل من تجاربهم، ونستفيد من دروسهم، وننقل ما راكموه من معرفة إلى الأجيال القادمة، فالأمم العريقة لا تبدأ بناء مستقبلها من الصفر، وإنما تواصل البناء على إرثٍ من المعرفة والخبرة والإنجاز الذي تحقق جيلاً بعد جيل.