كان لدي زميل دراسة ألماني، وصفه كما يُقال: «ما تعرف له حق من باطل»، فلا موقف واضح له، دوماً يقف في مكان هلامي، ردوده تتصنع العِلم والاختلاف عن البقية، وربما كان يرى نفسه امتداداً لفلاسفة ألمانيا العظام.

ولكنه فيلسوف «واحد سلندر»، زارني في أحد الأيام فعملت له قهوة عربية مليئة بالهيل والزعفران، فلما شرب فنجانه سألته عن رأيه، فقال كعادته: «لا أقول إنها جيدة، ولا أقول إنها سيئة، هي مختلفة»!

ستجد مثله شخصاً رمادياً يتحدث عن شكل الأرض، ويعيد عليك ذات ما سمعته مراراً عن مبررات محوّرة ومتخيّلة عن استحالة كروية الأرض، وبأنها مسطحة، وأن حدها هو القطب الجنوبي الذي تحرسه قوات عسكرية للدول الكبرى تمنعك من تجاوزه حتى لا تكتشف حقيقة وجود قارات أخرى.

ولن تعرف أبداً ما الغاية من منعها لك، ولن يجيبك إطلاقاً لماذا يُحرَس القطب الجنوبي ولا توجد نهايات «محروسة» في الجهات الثلاث الأخرى، ولماذا لا نجد ذاك الجدار الثلجي المزعوم والذي كَثُرَ المقتنعون فيه بعد مشاهدة مسلسل Game of Thrones!

ستجد شخصاً رمادياً يدندن كثيراً عن حقوق البشر، وأن لهم مطلق الحرية فيما يحبون وما يفعلون، ثم يردفها بجملة: «ما دام لم يتعدَّ على غيره»، وهذه الجملة نفسها رمادية، لأن كل شخص سيفسرها ويحدد نطاق ومساحة التعدي بمزاجه، بل حتى ذات الشخص سيتعامل معها بأكثر من تصور.

فقد يسمح لبعض الأعراق والمذاهب ما لا يسمح برُبعه أو نصفه للأعراق والمذاهب الأخرى، المهم أن يبدو مقبولاً من أولئك المُستَثنين وأن يُنظر له كشخص إنسانوي!

ستجد شخصاً رمادياً، لا ينفك من الحديث عن الدين، لكنه يتكلم عن دين زئبقي، هلامي، رمادي لأقصى حد، لا تكاد توجد به محرمات، فالله سبحانه وتعالى - حسب فهم هذا الشخص - ينظر للنوايا والقلوب الطيبة فقط ولا يكترث بالأمور الأخرى، لن يحتاج لصلاتنا ولن يحتاج لإجهاد أنفسنا بالصوم ولن يزيد في مُلكه الحج في فصل الصيف اللاهب.

وإنْ حاولت أن تصوّب فهمه التائه بأن من شرح ووجّه وفسر نصوص الدين هو محمد صلى الله عليه وسلم، بادرك بابتسامة باهتة تتصنع المعرفة التي اختصها الله فيه، يموت عالم دين قضى عمره في نشر الخير فيتجاهله تماماً، ثم يرى ممثلاً أو رجل أعمال أو قاضياً أجنبياً من دين آخر أو بلا دين أصلاً، فيسارع لكتابة المعلقات التأبينية له والدعاء له بالمغفرة، وإن استغرب أحد صنيعه قال له الجملة المعلبة: «هل أنتم أوصياء على الله؟»!

ستجد شخصاً رمادياً يبدأ يومه وينهيه وهو لا يغادر تطبيق X، يرى أين يتجه الناس وما الذي أجمعوا عليه في قضية ما ليبدأ في الحديث بنفس الاتجاه وبحماس أكبر، ثم تختلف النزعة أو الـTrend فينقلب معها سريعاً، فكثيراً ما يكون الرمادي ذكياً، لكنه يوظف ذكاءه في حماية «برستيجه» وصنع مكانة له، فالحقيقة وحدها في مفهومه «ما توكّل عيش»!

ليست المشكلة الكبرى في مجتمعات يعلو بها صوت الباطل، بل حين يُعرَف الباطل ويُلمّع، ويتضح الخطأ ويُبَرَّر، وأشد الناس ضرراً على مجتمعاتهم من اختاروا أن يقفوا في اللامكان، هم بين المخطئ وبين المصيب، بين صاحب الحق وبين صاحب الباطل، عوالم رمادية يكثر بها أشخاص لا يريدون أن يقولوا «نعم» كاملة، ولا «لا» واضحة!

بالتأكيد ليست كل الأمور واضحة، وليس التوقف في أخذ رأي أو حكم حتى تستبين الأمور خطأ، ولكن الخطأ عندما لا يصبح التوقف والرمادية محطة للفهم والتثبت، ولكن يصبح وطناً دائماً، وحينها يُمسي كل شيء مائعاً وقابلاً للتشكل حسب المزاج.

فالحرام يصبح ضرورة يفرضها الواقع الجديد، والكذب فهلوة وذكاء في التخلص من المشاكل، والوصولية سعي وراء الطموح الكبير، والجبن عن اتخاذ موقف جريء أمام ظالم ومعتدٍ واقعية وفقه واقع!

ليست الحقيقة دوماً في المنتصف، أحياناً يكون هناك معتدٍ وهناك معتدى عليه، والوقوف بينهما نوع آخر من تبرير الخطأ، فالخطأ لكي يتكرس ويُقبَل يحتاج لمجموعة من المبررين له، ومجموعة أكبر من الصامتين ليُؤخَذ صمتهم كموافقة.

والمجتمعات لا تنهار فجأة، ولكن تتآكل شيئاً فشيئاً، عندما تضيق مساحة المبادئ والقيم، وتتسع مساحة التبريرات، عندما يُتَّهَم المتمسك بدينه ومبادئه وقيمه بالتشدّد والانسلاخ من الواقع، لا لشيء إلا لأنه يذكّر أولئك الرماديين بما اختاروا التبرؤ منه!