مئوية الإمارات 2071: حين يبدأ المستقبل من الحاضر

هناك دول تخطط للعام المقبل، ودول تخطط للعقد المقبل، ودول تنظر إلى أبعد من ذلك. لكن الإمارات اختارت أن تذهب في اتجاه استثنائي آخر؛ إذ قررت أن تضع تصوراً يمتد إلى عام 2071، وصولاً إلى الذكرى المئوية لقيام الاتحاد.

وهنا لا تتجسد أهمية «مئوية الإمارات 2071» في طول المدة الزمنية التي تغطيها فحسب، بل في الفكرة الجوهرية التي ترتكز إليها، والتي تتفاعل مع المستقبل بوصفه لا يُنتظر، بل يُبنى من الحاضر.

منذ سنوات مبكرة، أدركت دولة الإمارات أن التنمية ليست محطة يصل إليها الوطن ثم يتوقف، وإنما رحلة مستمرة تتجدد أدواتها تبعاً للمتغيرات العالمية.

لذلك توالت الرؤى والاستراتيجيات التي رسمت ملامح هذه الرحلة؛ من استراتيجية حكومة الإمارات عام 2007، إلى «رؤية الإمارات 2021» و«الأجندة الوطنية»، ثم «مئوية الإمارات 2071» بوصفها رؤية للأجيال، مروراً بـ«مبادئ الخمسين» التي أرست مرجعاً استراتيجياً للخمسين عاماً المقبلة، وصولاً إلى «نحن الإمارات 2031» بوصفها مرحلة عملية على طريق لا يعترف بمنطق التوقف.

في عام 2017، اتخذ هذا التوجه بعداً أكثر امتداداً؛ فانطلاقاً من أهمية الاستثمار في شباب الدولة، وتزويدهم بالمعارف والمهارات التي تمكنهم من مواكبة التحوّلات المُتسارعة، أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، «مئوية الإمارات 2071» بوصفها برنامج عمل حكومياً يمتد 5 عقود، مستلهماً في جوهره المحاضرة التاريخية التي ألقاها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، لأجيال المستقبل في العام نفسه.

والتي رسم فيها سموه ملامح بناء إمارات المستقبل، وتجهيز الدولة للأجيال القادمة. وهكذا لم تكن المئوية مجرد امتداد زمني بعيد الأمد، بل كانت إعلاناً صريحاً بأن الاستعداد للمستقبل مسؤولية تبدأ من اليوم.

هذه المسيرة تكشف عن أمر يتجاوز التخطيط النمطي؛ إنها تفصح عن عقلية وطنية ترى المستقبل امتداداً لمسيرة الحاضر. فحين تتحدث المئوية عن أجيال لم تولد بعد، فهي في الحقيقة تطرح سؤالاً عميقاً: كيف نصنع اليوم الأسس التي سيبني عليها أبناء الغد مستقبلهم؟

تأسيساً على ذلك، جاءت محاور المئوية الأربعة كمنظومة متكاملة: حكومة تستشرف المستقبل، تعليم للمستقبل، اقتصاد معرفي متنوع، ومجتمع أكثر تماسكاً. فالحكومة التي تستشرف المستقبل لا تكتفي بإدارة الواقع، وإنما ترصد المتغيرات وتستبق تأثيراتها، وتبني رشاقة مؤسسية تمكنها من التعامل مع عالم سريع التحول.

والتعليم للمستقبل لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يركز على العلوم والتكنولوجيا، واكتشاف المواهب، وتعزيز التفكير الإبداعي والقدرة على الابتكار، وبناء عقول قادرة على التعلم المستمر وصناعة المعرفة.

أما الاقتصاد، فتتجه رؤيته نحو التنوّع والإنتاجية والبحث والتطوير والصناعات المتقدمة، بينما يظل المجتمع المتماسك هو الغاية الأسمى التي تمنح التنمية عمقها الحقيقي، ومعناها الإنساني.

من هنا تظهر خصوصية التجربة الإماراتية التي تنظر إلى الاستشراف ليس بوصفه نشاطاً منفصلاً عن التنمية، بل جزءاً من طريقة تفكير مستديمة في التنمية نفسها.

فالتفكير في الاقتصاد غير النفطي، والاستثمار في علوم المستقبل، وبناء رأس المال البشري، وتعزيز القوة الناعمة، وترسيخ التماسك المجتمعي، كلها توجهات تؤطر سياسات الدولة واستراتيجياتها اليوم، وتستجيب في الوقت ذاته لما قد يكون عليه العالم غداً.

ولعل أجمل ما في هذه الرؤية أنها لا تنظر إلى المستقبل بعين الخوف والتردد، وإنما بعين الاستعداد والإقدام. فالتغيرات المُتسارعة لا تُعامل بوصفها تهديدات حتمية، بل باعتبارها تحديات توفر مساحة لاستثمار الفرص، وابتكار الحلول، وإعادة تشكيل الممكن.

إن الإمارات، وهي تضع عام 2071 في بوصلة العمل الحكومي، لا تقول فقط: أين نريد أن نكون بعد 5 عقود؟ بل تطرح سؤالاً أكثر عمقاً:

ماذا ينبغي أن نفعل اليوم حتى يصبح مستقبلنا أفضل من حاضرنا؟ وهذا هو جوهر صناعة المستقبل. أن يكون الحاضر أفضل من الماضي، وأن يكون المستقبل أفضل من الحاضر. وفي هذه المعادلة تحديداً تتجلى الإمارات بوصفها تجربة رائدة في استشراف المستقبل والتخطيط له، لا لأنها تعرف ماذا سيحدث، وإنما لأنها تستعد لما قد يحدث، وتبني منذ الآن المُمكنات التي تجعلها أكثر قدرة على صناعة ما سيحدث.

ختاماً نقول.. المئوية ليست تاريخاً ننتظر بلوغه في عام 2071؛ إنها وعد بأن يبدأ مستقبل الإمارات قبل أن يصل، وأن تتحول طموحات الأجيال القادمة إلى عمل يبدأ من الحاضر، وأن يصبح استشراف الغد نهجاً راسخاً في فلسفة الدولة، وأساساً في صياغة سياساتها وصناعة قراراتها.