من جبل علي إلى شنتشن.. الانفتاح يصنع مسارات التنمية

على مدى العامين الماضيين، زرتُ ميناء جبل علي عدة مرات بحكم عملي. وبينما أقف على الرصيف وأشاهد سفن الحاويات العملاقة المحملة بالبضائع وهي تبحر نحو العالم، أتأمل كيف لم يربط هذا الميناء خطوط الملاحة العالمية فحسب، بل غيّر أيضاً مسار التنمية في دبي.

افتُتح ميناء جبل علي رسمياً في ديسمبر عام 1979، ثم أُنشئت المنطقة الحرة لجبل علي (جافزا)، فتدفقت إليها الشركات والسلع ورؤوس الأموال والكفاءات من مختلف أنحاء العالم.

واليوم، أصبح الميناء أحد أهم مراكز الشحن والخدمات اللوجستية الدولية في الشرق الأوسط، ورمزاً لانفتاح دبي واندماجها في العالم.

في القرن الثامن عشر، وبينما اجتاحت الثورة الصناعية أوروبا وتسارعت التجارة العالمية، انتهجت حكومة تشينغ في الصين سياسة الانغلاق، فابتعدت تدريجياً عن مسار التحديث العالمي، وفوّتت فرصاً مهمة أتاحتها الثورتان الصناعية والتكنولوجية، تاركةً وراءها درساً قاسياً من الفقر والضعف والتعرض للغزو.

ومن خلال استخلاص عميق لدروس التاريخ الحديث، اتخذ الحزب الشيوعي الصيني قراراً استراتيجياً تاريخياً بالإصلاح والانفتاح، وفتح بذلك مساراً جديداً لبناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية.

وتجسد شنتشن خير تجسيد لمسيرة الإصلاح والانفتاح. ففي عام 1979، كانت بلدة حدودية صغيرة في جنوب الصين لا يتجاوز سكانها عشرات الآلاف.

وفي عام 1980، أصبحت أول منطقة اقتصادية خاصة في الصين، وبدأت في كسر القيود التقليدية، وجذب الاستثمار الأجنبي، وتطوير اقتصاد السوق، وتوسيع الانفتاح.

وبعد أكثر من أربعين عاماً، أصبحت شنتشن مدينة عالمية حديثة يقترب عدد سكانها الدائمين من 20 مليون نسمة، وموطناً لشركات ابتكارية عالمية مثل هواوي وتينسنت وبي واي دي ودي جيه آي. ويثبت تطورها أن الإصلاح يطلق حيوية التنمية، والانفتاح يوسع آفاقها.

فمن خلال الإصلاح المستمر والانفتاح المتواصل، انتقلت الصين من الانغلاق أو شبه الانغلاق إلى الانفتاح الشامل، ومن مصنع العالم إلى قوة مهمة في الابتكار العالمي.

ولا تنفصل تنمية الإمارات عن الانفتاح والتعاون. فبفضل ميناء جبل علي والمنطقة الحرة(جافزا)، أسست دبي مبكراً اقتصاداً مفتوحاً مندمجاً في العالم.

وشهدت قطاعات الطيران والتجارة والتمويل والخدمات اللوجستية نمواً سريعاً، ما جذب مزيداً من الشركات الدولية للاستثمار وممارسة الأعمال.

وفي السنوات الأخيرة، وسعت الإمارات مجالات التعاون في صناعات المستقبل، مثل الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة.

ومن اقتصاد كان يعتمد بدرجة كبيرة على النفط إلى بوابة دولية تربط آسيا وأوروبا وأفريقيا، تثبت تجربة الإمارات أن الانفتاح لا يجلب رأس المال والتكنولوجيا والكفاءات فحسب، بل يفتح أيضاً آفاقاً جديدة للأفكار والقواعد وفرص التنمية.

واليوم، ترفع بعض الدول شعار«خفض المخاطر» لتوسيع مفهوم الأمن القومي، وتنتهج الحمائية والأحادية، وتبني ما يسمى «الساحات الصغيرة والأسوار العالية»، فتُجزّئ سلاسل الصناعة والتوريد العالمية بصورة مصطنعة.

ولا يتعارض ذلك مع قوانين التنمية الاقتصادية فحسب، بل يضيف عوامل جديدة من عدم الاستقرار إلى التعافي الاقتصادي والتنمية العالمية. وقد أثبت التاريخ، وسيواصل إثبات، أن الانغلاق لا يقود إلى التنمية، وأن فك الارتباط لا يحقق مكاسب للجميع، وأن الانفتاح والتعاون يظلان الاتجاه الصحيح للعصر.

فالإصلاح لا يتوقف، والانفتاح لا نهاية له. وتثبت تجارب الصين والإمارات أن مواصلة الإصلاح والانفتاح هي السبيل إلى إطلاق حيوية التنمية وتوسيع آفاقها، واغتنام فرص العصر لصناعة المستقبل. وهذا ليس فقط مفتاح المعجزات الاقتصادية التي حققتها الدولتان، بل أيضاً قاعدة مهمة لمسيرة التحديث في العالم.