قبل أكثر من ثمانين عاماً، خرجت البشرية من حرب مدمرة وهي تحمل وعداً كبيراً، أن تكون للقوة حدود، وللدول قواعد، وللإنسان حقوق لا تسقط حين تبدأ المعارك. هكذا قامت الأمم المتحدة، من رماد الحرب العالمية الثانية، ونشأت منظومة من المواثيق والمحاكم والمؤسسات الإنسانية. لم يكن العالم آنذاك ساذجاً. كان يعرف أن الدول ستختلف وأن المصالح ستتصادم؛ لكنه أراد أن يمنع القوة من أن تكون الحكم الوحيد بين البشر.
واليوم، تبدو المفارقة قاسية. لدينا من النصوص ما يكفي لوصف الانتهاك، ومن الصور ما يكفي لإثبات المأساة، ومن المنابر ما يكفي لإدانتها. ومع ذلك، تستمر الحروب، ويظل المدنيون يسألون السؤال الأكثر بساطة، والأصعب على العالم، من يحمينا؟
في مدينة تنهكها الحرب، لا يعرف الطفل كيف يصوّت مجلس الأمن. ولا يفهم أهل قرية في الشرق الأوسط كيف تتبدل الخرائط من حولهم، وكيف تُفرض على أرضهم، بين ليلة وضحاها، هوية جديدة. ولا يجد شعبٌ تُنتهك سيادة دولته في عبارة "توازنات القوى" ما يبرر ما يحدث له. فغياب العدالة في التعامل مع الحروب لا يبقى عند حدودها؛ بل يورّث أجيالاً كاملة شعوراً بأن القواعد كُتبت لغيرهم.
وهنا يكمن جوهر السؤال: هل بقي للعالم نظام يحميه؟ فالقانون الدولي لم يختفِ، وقواعد حماية المدنيين لم تُمحَ. لكن المسافة بين القاعدة وتطبيقها تتسع كلما اصطدمت بمصالح الدول القادرة على تعطيل القرار، أو تأخير تنفيذه. هنا تبدأ الأزمة التي لا تعالجها البلاغة الدبلوماسية، حين يُستدعى المبدأ بسرعة في حرب، ويخفت صوته في حرب أخرى، يتجاوز الخذلان ضحاياها إلى فكرة العدالة نفسها. فكيف يقنع القانون الدولي الناس بأنه وُضع لحمايتهم جميعاً إذا بدا تطبيقه رهيناً بهوية المعتدي وموازين النفوذ؟
شهد العامان الأخيران تصدعاً مقلقاً في الحدود التي ظن العالم أنها لا تُمس حتى في أشد الحروب قسوة. تكررت مشاهد استهداف المدنيين والصحفيين والعاملين في الإغاثة، وتعرضت مرافق طبية ومصادر مياه للدمار، وتعثر وصول الغذاء والدواء إلى من يحتاجونهما.
الخطر يتجاوز كل انتهاك على حدة. فحين يطول أمد التجاوزات، وتضعف المحاسبة، ويعتاد العالم مشاهدتها، تتحول إلى سابقة تستقر في حسابات النزاع التالي. وما يُسمح بتجاوزه اليوم، قد يُستدعى غداً في مكان آخر. هكذا تتآكل الحماية خطوةً خطوة، حتى يصبح السؤال.. أي حدود ستبقى للحرب المقبلة إذا سقطت الحدود التي تحكم الحروب الراهنة.
في الأمس، عاد هذا السؤال إلى قلب الجمعية العامة للأمم المتحدة. تحدث أمينها العام عن عالم تتسع فيه الانقسامات، وعن حروب يُستهدف فيها المدنيون، ودعا إلى الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة بعيداً عن المعايير المزدوجة وإصلاح مجلس الأمن. لم يكن التحذير جديداً في جوهره؛ الجديد أن الوقائع المتراكمة جعلت تجاهله أكثر كلفة. فكل أزمة تُترك بلا استجابة عادلة، تُضعف قدرة النظام الدولي على مواجهة الأزمة التي تليها.
قد لا يستطيع أي نظام دولي أن يمنع كل حرب. لكن من حق الإنسان أن ينتظر منه أكثر من تفسير عن أسباب العجز قبل وقوع الكارثة، وصمته بعد وقوعها، وموقفاً واضحاً حين تُستهدف حياته، وقاعدة تسري مهما كان اسم الدولة التي تخرقها.
فالطفل الذي ينتظر الصباح في مدينة منكوبة لن يسأل العالم كم اجتماعاً عقد من أجله. سيسأل إن بقي حياً! حين كان في استطاعتكم أن تفعلوا شيئاً، لماذا تأخرتم؟
