القمة «عين سحرية»

عودتنا «قمة الإعلام العربي» على مدى ربع قرن أن تكون نافذة على الإعلام، وتلسكوباً على ما خفي من تفاصيل، و«عيناً سحرية» تستشرف ما هو قادم.

رغم الظروف بالغة الصعوبة والتعقيد التي تمر بها المنطقة، إلا أن الدورة الـ24 للقمة انعقدت في أجواء غير مسبوقة من الزخم والحماس والتنوع والأمان.

وجاءت فعاليات القمة عيناً ثاقبة على أوضاع المنطقة، وعلى أوضاع العالم من تحالفات وتوازنات وتغيرات كبرى، وبالطبع على ما يجري في عالم الإعلام والتواصل والاتصال، مع إطلالة ثاقبة وعميقة على الفن والدراما والمنصات والجمهور.

لم تكتفِ القمة هذا العام بالانعقاد رغم ظروف المنطقة، لكنها جاءت الأكبر، ومحملة بإضافات غير مسبوقة.

ترجمت الفعاليات ما قالته معالي منى غانم المري، نائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام، رئيسة اللجنة التنظيمية لقمة الإعلام العربي، بدءاً بمناقشة الدور الذي سيلعبه الإعلام العربي في صناعة المرحلة المقبلة، ومجاراة التغيرات الكبرى، وإعادة تشكل مستقبل المنطقة، بدلاً من الوقوف عند محطة «كيف يتغير الإعلام ويواكب العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي؟»، والتحاور حول مسؤولية الإعلام في التمسك بدوره الأصلي من وصول إلى الحقيقة وبناء الثقة مع الجمهور بمصداقية وكفاءة، وعبر الاستفادة من التطور السريع في التقنيات وأدوات صناعة المحتوى، والتأكيد على أن امتلاك التكنولوجيا لم ولن يكون يوماً ضماناً لصناعة الإعلام المؤثر، بل الضمان يبقى القدرة على توظيف التقنيات لخدمة المجتمع.

طاقة الحماس والقدرة على الإبداع نضحت بها الفعاليات وانعكست على الحضور، من ساسة وإعلاميين وكتاب وصناع محتوى وفنانين وغيرهم.

بدت مجرياتها، من جلسات عميقة وسريعة، ومناقشات علمية وعملية، واستشرافات لما هو قادم في الإعلام والفن، وجميعها يصب في خانة المستقبل، ترجمة فعلية لما زرعه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، ومؤسس القمة وراعيها، والذي أشارت إليه معالي منى المري بقولها: «في دبي تعلمنا في مدرسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن المستقبل ليس شيئاً ننتظره، بل هو شيء نصنعه».

ومن أبرز وأهم ما حفلت به القمة هذا العام هو انتقال الحديث عن الإعلام العربي من كيف نستفيد من إعلام الغرب؟ وكيف ننقل أدواته لنستفيد منها عربياً ومحلياً؟ وكيف نصحح رواياتنا لديهم؟ إلى صناعة روايتنا بأنفسنا وعدم تركها للآخرين فقط. إنها الصناعة التي لا تقف عند حدود إعلام عربي قادر على تقديم روايته عن نفسه للآخرين، ولكن تمتد إلى شتى المجالات. إنها القدرة التي تعززها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. تعززها، لا تصنعها أو توجهها أو تملي عليها توجهها.

قمة دبي للإعلام أقرب ما تكون إلى الكائن الحي الذي ينمو ويتطور ويتغير ليواكب، لكن يحافظ على مبادئه وقيمه التي ولد من أجلها. لم تعد الفعاليات تكتفي بالدوران في فلك تحديات الصحف الورقية، ومخاطر المواقع الإلكترونية الإخبارية، أو آفاق القنوات الفضائية، أو كيفية تجنب مخاطر المنصات، أو من يفوز في صراع الورقي والرقمي، أو حتى من ينتصر: البشر أم الآلة؟!

مضت صدمة الرقمنة والتكنولوجيا، وحل محلها التعامل والتعايش، بل واستباق التطورات القادمة والاستعداد لها والاستفادة منها. الركن المخصص للصحفيين الذين يغطون الفعاليات بدا تفعيلاً واقعياً لقدرة القمة على التعامل مع الحاضر واستشراف المستقبل. وبعد سنوات من صراع الصحفيين مع الوقت عبر الدق على لوحات الكمبيوتر فقط لكتابة الموضوعات وتحميل الصور، أصبح صراع الوقت يتسع كذلك للصحفيين أنفسهم وهم يصورون مقاطع الفيديو، ويحررونها، أو يبثون «لايف» لمؤسساتهم.

حضور صناع المحتوى والمؤثرين لم يعد مشهداً مثيراً للدهشة أو حتى الخوف من المنافسة من قبل صناع الإعلام التقليديين. بات حضورهم طبيعياً ومتوقعاً، وجزءاً من المشهد الإعلامي. في الوقت نفسه، هو حضور مزود بتحديات عملهم حيث قواعد الاستخدام المهني والأخلاقي للأدوات التكنولوجية، والمحافظة على قواعد المهنة والتزاماتها تجاه الجمهور.

كانت القمة ناجحة بكل المقاييس، ومستشرفة لكل ما يمكن استشرافه ليس في الإعلام والتكنولوجيا فقط، ولكن في السياسة والاقتصاد وتحولات المنطقة والعالم.