ربما يكون «الباندا الصيني» خطف الأضواء من الملفات الحساسة التي تناولتها الزيارة الأخيرة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن، حيث أعلن الرئيس الصيني أن زوجاً من الباندا سيتجه إلى أتلانتا، الخبر في ظاهره لطيف، خاصة أنه يأتي على هامش قمة أمريكية صينية، تتناول ملفات ثقيلة وعميقة، سياسية وتجارية، بالإضافة إلى الذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد.
السياسة تختبئ في التفاصيل التي يظن البعض أنها بعيدة ولا رابط بينهما، فالفكر الصيني لا ينظر إلى الباندا باعتباره حيواناً لطيفاً ودوداً يحبه الناس ويثير إعجابهم، بل في الواقع هو جزء من الخطاب الصيني إلى العالم.
ما يهمني كمتابع ومراقب، ليس أن الصين أرسلت أو أعارت الباندا لأمريكا، المهم ما هي الرسالة التي تريد الصين إرسالها للولايات المتحدة، وفي هذا التوقيت بالذات؟
وإذا رجعنا إلى تاريخ دبلوماسية الباندا بين أمريكا والصين، سنعود إلى عام 1972، حين أرسلت الصين «باندتين» إلى أمريكا، بعد زيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، حينها كانت العلاقات بينهما في مرحلة التأسيس، في تلك الفترة كانت دلالة ورمزية الباندا كأنها تقول إن الخصومة القديمة ستترك مكانها، والباندا ستفتح الباب لعلاقة جديدة بين البلدين.
أما دور باندا اليوم، فيختلف عن سابقتها، فالعلاقة الأمريكية الصينية قائمة ومتشابكة ومعقدة، فهل دورها المحافظة على إبقاء الباب مفتوحاً؟، أم أن الباندا هي الأداة الرئيسة لإدارة الخصومة والخلافات بين البلدين؟، رغم أنه من المؤكد أن الباندا لن تستطيع تغيير الموقف الأمريكي من تايوان، ولن توقف القيود على التكنولوجيا المتقدمة، ولن يكون لها دور في التأثير في التنافس على أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، والكثير من الملفات الخلافية بين بكين وواشنطن.
في السياسة والعلاقات الدولية الإشارات والرموز لها قيمة ودلالة، ربما تكون أعلى من التصريحات المباشرة، لذا، يمكن قراءة إعارة الباندا في دلالات عدة، منها الرغبة في إدارة الصراع والتنافس، لا إنهائهما، فالتنافس ما زال مستمراً، ومن الطبيعي أن يبقى، بل ربما يزداد، كذلك من المحتمل أن تكون المرحلة المقبلة تقارب أمريكي صيني، أو رسالة صينية فحواها الحرص على عدم الوصول إلى مرحلة الصراع والصدام.
إذ يمكننا اعتبار أن الصين تستخدم القوة الناعمة لتخفيف حدة الصراعات الاستراتيجية بينها وبين أمريكا، إذن الباندا ليست مجرد رمز للتعبير عن الصداقة، بل هي أداة ورسالة سياسية، من خلالها ترسل بكين إشارات تهدئة، ومن دون تنازلات جوهرية، أي أن «دبلوماسية الباندا» تعبير واضح لبناء مرحلة من التعايش التنافسي، ويمنع المواجهة المفتوحة والصراع المباشر.
مستقبل التنافس الأمريكي الصيني لا يمكن اختزاله في شخص الرئيسين، ولا حتى في الخلافات التجارية، في الحقيقة، التنافس بين العملاقين هو نتيجة طبيعية لميزان القوة الدولي، فالصين ليست قوة صاعدة، وليست دولة هامشية في النظام الدولي، الصين هي المنافس الرئيس للولايات المتحدة في الاقتصاد والتجارة، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والصناعة والقدرات العسكرية.
أما الولايات المتحدة فتنظر لهذا الصعود والنفوذ الصيني، باعتباره مهدداً وتحدياً لمكانتها وموقعها ونفوذها وتحالفاتها الدولية، وليس توسعاً اقتصادياً في أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، كما يعتقد البعض. في اعتقادي، أنه يجب علينا عدم مناقشة هل ستتنافس الولايات المتحدة والصين؟ لأن هذا التنافس واقع ومحسوم عملياً، لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو، هل يستطيع العملاقان الأمريكي والصيني وضع حدود وضوابط لتنافسهما؟
فمثلاً تايوان ليست ملفاً تجارياً يمكن الاتفاق عليه عن طريق حزمة من الامتيازات، هي بالنسبة للصين قضية سيادة وكرامة ووحدة وطنية، أما بالنسبة للولايات المتحدة فهي قضية لتوازن القوة في القارة الآسيوية، وتأكيد على المصداقية الأمريكية وحفظ التحالفات.
المشكلة الحقيقية اليوم، أن الملفات في العلاقات الدولية متشابكة ومتداخلة ومعقدة، فعلى سبيل المثال، ملف أشباه الموصلات مرتبط بقضية تايوان، والذكاء الاصطناعي يرتبط بالأمن القومي، والتكنولوجيا المدنية متداخلة مع القدرات العسكرية، لذا، يمكن لخلاف في ملف، أن يفتح أزمات في ملفات ومجالات أخرى.
من هنا، يدرك كلا الطرفين أنه لا مجال للانفصال الكامل، وأن اقتصاد البلدين مرتبط بحيث القطيعة بينهما مؤلمة لهما وللعالم، لكنهما يدركان كذلك أن وجود علاقة عميقة بينهما قائمة على الثقة المتبادلة ليست واقعية، وغير منطقية، على أقل تقدير على المدى القصير.
