داوود يوسف الفدّاغ.. أول طبيب نجدي يتخرج من العراق

تحدّث الباحث عبدالعزيز بن إبراهيم الناصر في كتابه «الزبير.. صفحات مشرقة من تاريخها العلمي والثقافي» بإسهاب عن «الزبير»، ذلك الكيان الذي أقامه المهاجرون النجديون على أرض العراق. حيث دفعت عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية الكثيرين من سكان وسط الجزيرة العربية إلى ترك وطنهم والانتقال إلى بلاد أخرى، كانت من بينها البصرة في جنوب العراق.

حيث عملوا في بساتين النخيل، لكن مناخ البصرة الرطب وفيضانات أنهارها واضطراب أحوالها الأمنية، معطوفاً على اختلاف طبائع وتقاليد وعقائد قسم من أهلها، جعل هؤلاء المهاجرين النجديين ينتقلون للسكن والعمل والاستقرار في الزبير إلى الجنوب الغربي من البصرة على بعد نحو 18.6 كم منها.

ولعل سبب وقوع اختيارهم على الزبير تحديداً هو أن مناخها وطبيعة أراضيها مماثلة لما في موطنهم الأصلي، وعدم وجود موانع طبيعية بينها وبين نجد تصعّب تنقّلهم بين المنطقتين، ناهيك عن أن الزبير تتصل بطرق برية إلى بلاد نجد والحجاز والشام وبُلدان الخليج العربي.

وبطرق بحرية إلى إمارات الخليج العربي والهند وأفريقيا عبر منفذي خور عبدالله وأم القصر، أضف إلى ذلك تَوفُّر المياه الجوفية والتربة النقية الصالحة للزراعة ورعي الماشية، وتميُّز الزبير بسكانها القليلين، ومكانتها المقدسة لوجود أضرحة لبعض الصحابة كالزبير بن العوام وطلحة بن عبيدالله وأنس بن مالك وغيرهم.

ومع مرور الزمن توطدت أركان هذه الإمارة النجدية بجنوب العراق، وكثر سكانها من أهل سدير والوشم والزلفي والقصيم والعارض، وازدهرت أحوالها الاقتصادية والتجارية، وصارت مركزاً لحركة علمية وثقافية وتربوية مشهودة، ومحطة للقوافل التجارية والبريدية ومكاتب الرسوم الجمرية.

وشكّلت التجارة العنصر الأبرز في ازدهار الزبير، حيث ارتبطت بعلاقات تجارية مع العديد من البلدان، وراحت تسيّر القوافل التجارية إلى أنحاء العراق وبلاد الشام وتركيا، وتسيّر السفن التجارية إلى الهند وعدن وزنجبار، وتستقبل في الوقت نفسه القوافل التجارية من نجد والحجاز.

فمثلاً ذكر عبدالرزاق عبدالمحسن الصانع وعبدالعزيز عمر العلي في كتابهما «إمارة الزبير بين هجرتين» ما مفاده أن فراج آل جويسر، وهو من الأسر النجدية القديمة التي هبطت الزبير، وصلها قادماً من نجد على رأس قافلة تجارية مكونة من مائتي بعير.

أما عبدالعزيز عبدالغني إبراهيم فقد ذكر في كتابه «نجديون وراء الحدود»: «تزامنت بداية الاستقرار النجدي المكثف في الزبير مع قيام الدولة السعودية القديمة ومع ازدهار النشاط التجاري البريطاني في الخليج، وأسهم أهل الزبير، وخاصة العقيلات منهم، في ذلك النشاط بمقدرة وكفاءة؛ تخرج قوافل العقيلات من الزبير تحمل بضائع الهند وطيوبها وبهارها ومحاصيل العراق إلى الموانئ الشامية، وتعود حاملة سلع أوروبا ومنتجات الشام إلى بلاد الرافدين، فأصابت تلك البلاد ثراء عظيماً ونمت وازدهرت واتسعت حتى سميت الشام الصغير».

وأضاف عبدالغني أنه بسبب هذا الازدهار «أصبحت الزبير أكبر رقعة وأعظم عمراناً من الكويت المجاورة، بل أنها ضارعت البصرة التي تناقص شأنها بفعل البلاء الذي أنزله بها الطاعون ثم الحروب الفارسية، وقد كانت الزبير من الروافد التي غذت البصرة بالرجال حتى عُمرتْ من جديد».

وعلى هامش هذه التطورات برزت في الزبير أسماء نجدية مرموقة في مختلف مناحي ومناشط الحياة، لئن افتخر بها العراق، فإن أوطانها الأصلية افتخرت بها أيضاً، خصوصاً بعد أن قرر أبناء وأحفاد هؤلاء العودة إلى مواطن آبائهم وأجدادهم في نجد، بسبب أوضاع العراق السياسية والاقتصادية والمعيشية والأمنية المؤسفة.

من الأبناء النجباء للزبيريين النجديين، الدكتور طبيب داوود يوسف الفداغ، الذي سنحاول توثيق سيرته هنا، معتمدين على اليسير من المعلومات المتوفرة عنه في الأدبيات والمصادر العراقية وغير العراقية.

لكن قبل ذلك دعونا نتحدث عن عائلة الفداغ التي ينتمي إليها المترجم له. تقول المصادر التي اطلعت عليها أن الموطن الأصلي لآل الفداغ هو بلدتا «الغاط» و«حرمة» في إقليم سدير بنجد.

حيث برزوا في إمامة المصلين والتعليم في الكتاتيب وكتابة الوثائق الشرعية والتاريخية. ومن أشهر من برز منهم في كتابة الوثائق: عبدالله حسين الفداغ، وعتيق سليمان الفداغ، وإبراهيم بن سليمان بن فداغ.

وذكرت المصادر أيضاً أنهم يختلفون في نسبهم عن عائلة «الفداغي» التي تنحدر من بطن سنجارة من شمر. وأن فرعاً من آل الفداغ نزح في عام 1779 للميلاد إلى مدينة البصرة ومنها إلى الزبير، وأن قسماً من هؤلاء انتقل لاحقاً إلى الكويت، حيث اقترن اسمه بتاريخ الكويت القديم، بدليل وجود اسم «الفداغ» على بوابات سور الكويت الأول الذي شيد في سنة 1798.

اشتهر آل الفداغ في الزبير والكويت بالتجارة الواسعة التي امتدت إلى بلاد الهند والبنغال، وبرز منهم تاجر نجد والزبير والكويت في مطلع القرن 19 حمد سلطان الفداغ، ومنهم أيضاً ثريا ناصر الفداغ، زوجة أمير الزبير قاسم الزهير، والتاجر الكويتي المنحدر من عنيزة عبدالله الفداغ، الذي استوطن مدينة كلكتا زمن الهند البريطانية، والذي اشترى في عام 1799 جزيرة في شط العرب ووقفها على ذريته.

وبسبب شطارتهم وعملهم في التجارة بلغوا مراتب متقدمة في الثراء، وعُرفوا بأعمال الخير والإحسان ولهم وثائق وقفية تاريخية تعود للقرن الـ19، كما أن عائلة الفداغ أسست «جامع حمزة الفداغ» التراثي بالبصرة (قضاء أبي الخصيب) في عام 1890.

وقد نشرت صحيفة «الجريدة» الكويتية (23/8/2019)، ما يدل على الثراء الذي بلغه آل الفداغ من اشتغالهم بالتجارة، ومدى انخراطهم في أعمال البر والإحسان والخير، وهو وثيقة وقف أبناء التاجر حمد سلطان الفداغ الثلاثة (الحاج سلطان والحاج ناصر والحاج عبدالله) التي كتبها قاضي البصرة في عام 1826م.

وشهد عليها 99 شاهداً من وجهاء الزبير والبصرة، منهم نقيب أشراف البصرة والكوفة السيد عبدالرحمن النقيب، ونقيب الأشراف بالبصرة السيد عبدالرحمن النقيب وتضمنت الوثيقة أوقافاً عدة من بساتين نخيل (في جزيرة الصالحية، وفي السنيدية، والشطانية، والمصاليخ بمقاطعة السراجي بالبصرة)، ومحلات تجارية (33 دكاناً في سوق الفداغ، ودكاناً في السوق الطويل في الزبير)، فضلاً عن مسكن خاص، وغير ذلك.

وورد ذكر أسرة الفداغ في كتب ودراسات ومطبوعات ومواقع إلكترونية كثيرة في العراق والسعودية والكويت، ومنها كتاب «علماء نجد خلال ثمانية قرون» للشيخ عبدالله بن عبدالرحمن البسام، وكتابا «معجم أسر بريدة» و«معجم أسر عنيزة» للمؤرخ محمد بن ناصر العبودي، ودراسة «أسر الزلفي المتنقلة والمنقرضة» للباحث عبدالعزيز بن سعود الفرهود، وكتاب «النصرة في أخبار البصرة» للقاضي أحمد نور الأنصاري والدكتور يوسف عزالدين.

وبالعودة إلى سيرة المترجم له الدكتور داوود بن يوسف الفداغ، نجد أنه ولد في قضاء الزبير عام 1924، وفيها نشأ وأكمل دراسته الابتدائية، قبل أن ينتقل إلى البصرة ليكمل مرحلتي الدراسة المتوسطة والثانوية. وبعد إتمامه للمرحلة الثانوية وتخرجه بنجاح قدَّم أوراقه إلى الكلية الطبية الملكية العراقية ببغداد (تأسست سنة 1927 على يد نخبة من الأطباء العراقيين والبريطانيين وكان أول عميد لها هو الدكتور هاري سندرسون)، فتم قبوله وراح يدرس ويجتهد حتى تخرج في عام 1947 ضمن طلبة الدفعة الخامسة عشر.

كان الرجل يحلم بأن تكون له عيادة يمارس الطب من خلالها، ومرضى يعالجهم ويخفف من آلامهم، إلا أنه قرر تأجيل أحلامه ليمارس دوره الوطني، حيث التحق في عام تخرجه بطبابة الجيش العراقي، ومُنح رتبة ضابط احتياط طبيب، وسافر بتلك الصفة إلى فلسطين للمشاركة في الحرب العربية الإسرائيلية الأولى سنة 1948 إلى جانب قوات بلاده.

بعد هزيمة الجيوش العربية وقيام دولة إسرائيل عاد الفداغ إلى مسقط رأسه في الزبير، وافتتح عيادته الخاصة، وراح يمارس من خلالها الطب العام حتى عام 1952، وهو العام الذي عينته فيه الحكومة طبيباً عاماً بمديرية صحة البصرة، وتبعاً لهذا التعيين اضطر إلى أن ينقل عيادته الخاصة من الزبير إلى البصرة في محلة العزيزية بالعشار.

وفي هذه الفترة من حياته عُيِّنَ طبيباً لبعض الوقت بمديرية الموانئ العراقية والسكك الحديدية. وبينما كان يمارس عمله بتفان وإخلاص وفي أجواء من الأمان النفسي والمعيشي كانت تلح عليه فكرة مواصلة دراسته للتخصص، وظل كذلك حتى سنة 1956 الذي قرر فيه أن يحصل على إجازة دراسية للسفر إلى بريطانيا.

وبالفعل تمت الموافقة على منحه الإجازة المطلوبة وسافر إلى لندن للتخصص في طب الأطفال، وهو تخصص كان يتلاءم مع طبيعته الودودة من جهة ومع حبه للتحدي الذي تشكله دراسة طب الأطفال من جهة أخرى.

حيث إن طب الأطفال من التخصصات الدقيقة والمليئة بالتحديات على المستويين النفسي والمهني، كونه يتعامل مع الرضع والصغار ممن لا يستطيعون وصف أعراضهم أو مكان آلامهم، ما يضع الطبيب أمام تحدي التشخيص الصامت، كما أن طبيب الأطفال يواجه صعوبة تركيب الإبر والمحاليل الوريدية بسبب حركة الأطفال المستمرة وخوفهم المفرط.

نجح الفداغ في جميع امتحاناته بفضل الله، ثم بفضل اجتهاده ومثابرته، وحصل على شهادة الدبلوم العالي في طب وصحة الطفل من جامعة لندن في عام 1958، وهو العام نفسه الذي عاد فيه إلى العراق ليجده عراقاً مختلفاً عن العراق الذي عرفه ونشأ في ظله.

كان الجيش قد أطاح بالملكية وأعلن الجمهورية، وكانت هناك حملة تطهير وتصفيات دموية، لكن الفداغ كان بعيداً عن لوثة السياسة فلم يطله أي مكروه.

حيث عاد للعمل بمديرية صحة البصرة وفي مستشفى البصرة الذي كان قد تغير اسمه إلى «مستشفى البصرة الجمهوري» شأنه في ذلك شأن معالم كثيرة ألصقت بها كلمة «الجمهوري». وفي الوقت نفسه واصل عمله في عيادته الخاصة التي حولها إلى عيادة للأطفال بعد أن نال لقب اختصاصي في طب وصحة الأطفال.

وظل صاحبنا على هذه الحال، شاهداً على كل التحولات والأزمات السياسية التي عصفت بالعراق، إلى أن بدأت أخطار الحرب العراقية الإيرانية تقترب من البصرة وتهدد حياة أسرته.

فقرر في عام 1986 الانتقال معها إلى بغداد، حيث أقام ومارس تخصصه في عيادته الخاصة بمنطقة كرادة مريم مذاك وحتى تاريخ انتقاله إلى جوار ربه في عام 2000 عن عمر ناهر السادسة والسبعين.

وإذا كان صاحبنا، لظروفه الخاصة، لم تتح له فرصة العودة إلى موطن أجداده في نجد، فإن العديد من أقاربه من آل الفداغ عادوا واستعادوا جنسيتهم الأصلية بعد عام 1975، مستفيدين من قرار رسمي صدر بالموافقة على منح النجديين الزبيريين فرصة العودة إلى وطنهم الأم.

ومن هؤلاء ابنه الدكتور خالد بن داوود بن يوسف الفداغ، الذي يحمل درجة الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية التطبيقية من إمبريال كوليدج في لندن، ودرجة الماجستير في الميكانيكا التطبيقية من جامعة مانشستر البريطانية، علاوة على عدد من الشهادات الخاصة بالتنفيذيين من كلية هارفارد لإدارة الأعمال.

وقد التحق بشركة أرامكو النفطية، وتولى فيها مناصب قيادية منها: المدير التنفيذي لإدارة التدقيق الداخلي، والمدقق العام، ومدير التخطيط المؤسسي، والرئيس والمدير التنفيذي لشركة بترون في الفلبين وهي شركة تكرير النفط الوحيدة هناك، وكانت أرامكو تملك فيها آنذاك حصة 40%، كما شغل الفداغ الابن مناصب أخرى مثل:

عضو لجنة المراجعة في شركة سابك، ومنصب الرئيس والشريك المؤسس لشركة «مسك الزاد للتطوير والاستثمار التجاري»، ومنصب الرئيس في لجنة المخاطر بـ«شركة بوبا العربية»، ولجنة المخاطر والامتثال بشركة «أكوا باور»، وعضو لجنة المخاطر بمجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة (PIF)، والمجلس الاستشاري للمعهد السعودي للمدققين الداخليين (IIA)، ومجلس المستشارين في التجمع الصحي الأول بالمنطقة الشرقية، وعضو مجلس إدارة نادي الاتفاق بالدمام.

ومنهم أيضاً السيدة ليلى بنت حسين الفداغ، التي حصلت في عام 2006 على درجة البكالوريوس من جامعة العلوم والفنون في ولاية أوكلاهوما الأمريكية، ثم على درجة الماجستير في الدراسات العالمية من الجامعة نفسها في عام 2009، وعملت في عام 2010 كمقيمة بمركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) في الظهران.

حيث عملت على تطوير أول متحف للأطفال في السعودية وتأسيس «جائزة إثراء للفنون». كان هذا قبل أن يتم ترقيتها في عام 2017 إلى منصب رئيس المتحف والمعارض هناك. وفي يناير 2021 اختيرت لتكون مديراً للمتحف الوطني السعودي.