رحلة السينما من بدايات متواضعة إلى مهرجان دولي

قبل أن تطأ أقدامنا قاعة سينما، جاءت السينما إلينا. كنا فتية صغاراً حين قدّم لنا مسؤول حكومي يوماً ما سحر الصور المتحركة. لم تكن هناك صالة عرض، ولا مقاعد وثيرة، ولا أجهزة تكييف.

كان هناك جهاز عرض بسيط، وجدار أبيض هو ظهر أحد البيوت، وصبية مع آبائهم يجلسون على الرمل ينتظرون أن تُضاء الحكاية.

كانت الأفلام في معظمها بالأبيض والأسود، وغالباً تاريخية. ما زلنا نذكر عنترة وعبلة، وكيف كان ذلك الجدار الأبيض كافياً ليحوّل أمسية عادية إلى عالمٍ من الدهشة.

ومع مرور الوقت، انتقلت السينما من الجدار إلى صالة حقيقية. نذكر سينما هارون في جميرا في أوائل السبعينيات، ونتذكر جيداً الفيلم الذي شاهدناه هناك: سيدة الأقمار السوداء، إنتاج لبناني بممثلين من مصر منهم حسين فهمي وعادل أدهم.

أدرك اليوم أن علاقتي بالسينما لم تبدأ من باب النجوم أو النقد، بل من باب الدهشة الأولى: دهشة ظهور حياة كاملة على جدار كان قبل لحظات مجرد مساحة بيضاء.

وقد عادت تلك الذاكرة مع إعلان معالي منى غانم المري، نائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام، عن عودة مهرجان دبي السينمائي الدولي. إذ تنطلق دورته الخامسة عشرة في 8 ديسمبر 2027، بعد عشر سنوات من توقفه.

ويعود المهرجان برؤية جديدة تضع السينما الشرق أوسطية في مركز الاهتمام، وتعد بمنصة تربط المخرجين بالمنتجين، والمواهب بالمستثمرين، والأفكار بالأسواق. هذا الإعلان أعاد إلى الذاكرة الرحلة الطويلة التي قطعتها السينما، والرحلة التي قطعتها دبي والإمارات معها.

فالسينما عبرت الحدود قبل زمن المنصات الرقمية. كانت تحمل لغةً وأغنيةً ومشهداً وملابسَ وطريقة حياة من بلد إلى آخر. يجلس الناس في قاعة مظلمة ليواجهوا عالماً لم يزوروه من قبل. ولهذا، السينما ليست ترفيهاً فحسب؛ إنها ذاكرة تحفظ المدن التي تغيّرت، وتوثّق تفاصيل الناس في لحظة من الزمن، وتربط الأفلام بالأماكن التي شاهدناها فيها لأول مرة.

وتاريخ السينما في الإمارات أقدم مما يظن كثيرون. ففي الشارقة، أنشأت القوات الجوية الملكية البريطانية أول سينما معروفة في المنطقة عام 1943 في قاعدة المحطة. كانت شاشة تُعرض على جدار، وجمهور يجلس على صفائح وقود قديمة. بدأت العروض للعسكريين ثم فُتحت للسكان.

وفي دبي، كانت البداية بروح مشابهة. عندما وصل أحمد غولتشين في الستينيات، كانت هناك سينما واحدة فقط: السينما الوطنية في ساحة عبدالناصر، وهي سينما مفتوحة، وتعددت الروايات حول تأسيس سينما الوطن، لكن المؤكد أن مجموعة من رواد الأعمال رأت مبكراً إمكانات السينما في مدينة تتسع بسرعة.

أصبح غولتشين لاحقاً أحد أبرز الأسماء في صناعة السينما الإماراتية، عبر توزيع الأفلام وتطوير دور العرض في مختلف الإمارات، ومنها سينما ديرة وصالات أخرى أصبحت جزءاً من ذاكرة السكان. كما كانت هناك سينما جميرا المفتوحة التي تتسع لنحو 2400 شخص، وتمتلئ بالكامل عند عرض الأفلام المهمة.

كانت الأفلام تأتي من الهند وإيران ولبنان ومصر وهوليوود وغيرها. وبحلول السبعينيات، انتشرت دور السينما في الإمارات.

وأتذكر أنني ذهبت إلى الشارقة لمشاهدة العرض الأول لفيلم العرّاب في سينما الحمراء. كان ذلك دليلاً آخر على أن الفيلم يمكن أن يصبح حدثاً يستحق مشقة الذهاب إليه.

وهكذا أصبحت السينما جزءاً من النسيج الثقافي للدولة الفتية. لم تبدأ القصة بمهرجان دولي، بل بدأت بجدار أبيض، وشاشة مفتوحة، وصبية يجلسون على الرمل.

اليوم تغيّرت صناعة الأفلام جذرياً. لم تعد السينما محصورة في قاعة العرض. تُشاهد الأفلام على التلفزيون والهواتف والمنصات، بينما يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل صناعة الفيلم نفسها.

ومع ذلك، يبقى السحر كما هو: قصة تظهر أمامنا، فيها عوالم وبشر وطبيعة ولبرهة، ندخل هذه العوالم. لهذا أعود دائماً إلى ذلك الجدار الأبيض. إلى الصبية الجالسين على الرمل. إلى الصور بالأبيض والأسود. إلى عنترة وعبلة. إلى سينما هارون وسيدة الأقمار السوداء. إلى رحلتي إلى الشارقة لمشاهدة العرّاب.

وأفكر في الرحلة من تلك البدايات المتواضعة إلى عودة مهرجان دبي السينمائي الدولي.

لقد تغيّرت التكنولوجيا، وكبرت الشاشات، وازدادت المقاعد راحة، واتسعت الصناعة عالمياً، لكن السينما، في جوهرها، لم تتغير كثيراً. فهي لا تزال تبدأ بالظلام، وبضوء، وبشاشة، وبقصة.

وربما تبدأ قصة السينما في دبي من هناك: من جدار أبيض، وجهاز عرض، وجمهور يجلس على الرمل... وصولاً إلى مهرجان دولي. تلك هي روح دبي الوثابة إلى الأمام.