المحتال البطل

كثير من الأفلام والمسلسلات والقصص تدور حول شخصية ذلك المحتال الذكي، الذي استطاع بذكائه ودهائه أن يجمع ثروة طائلة بطرق غير مشروعة. يكذب ويخدع ويسرق، ويتلاعب بالناس والقوانين، لكنه يُقدَّم للمشاهد في قالب جذاب، أنيق، سريع البديهة، يعيش حياة مترفة، ويقود السيارات الفاخرة، ويسكن القصور، حتى يتحول تدريجياً من مجرم إلى بطل، ينتظر الجمهور نجاح خطته وهروبه من الشرطة.

المشكلة ليست في تقديم قصص الجريمة، فالجريمة جزء من الواقع، ومن الطبيعي أن تتناولها السينما والأدب، وإنما المشكلة في الطريقة التي تُقدَّم بها. هناك فرق كبير بين عمل يكشف عالم الجريمة ويحذر من عواقبه، وعمل يصنع من المجرم نجماً، ويجعل الاحتيال بطولة، والسرقة مغامرة، والكذب ذكاءً.

ومع تكرار هذه الصورة، تتغير المفاهيم من حيث لا نشعر.

نشأ جزء من جيل وهو يرى أن المحتال الذي يستطيع جمع الملايين شخص ذكي وناجح، بينما الإنسان البسيط الذي يعمل كل صباح، ويحترم القانون، ويحافظ على أمانته وقيمه، شخص تقليدي، وربما «غبي»، لأنه لم يعرف الطريق المختصر إلى الثروة.

وهنا تكمن الخطورة، فعندما يصبح المال هو المعيار الوحيد للنجاح، لن يسأل البعض: من أين حصل هذا الإنسان على أمواله؟ بل سيسألون فقط: كم يملك؟

وعندما تصبح النتيجة أهم من الوسيلة، يمكن أن يتحول الكذب إلى «شطارة»، والخداع إلى «فهلَوة»، والاحتيال إلى «ذكاء»، والسرقة إلى مغامرة تستحق الإعجاب. هذه ليست مجرد مشكلة سينمائية، بل مسألة تتعلق بمنظومة القيم التي نقدمها للأجيال الجديدة.

فالإنسان، وخصوصاً في سنوات شبابه، يتأثر بالنماذج التي يراها أمامه. وعندما يشاهد عشرات المرات المجرم الوسيم والذكي وهو يهزم الجميع، ويستمتع بثروته، بينما يظهر الإنسان الملتزم بالقانون بصورة الشخصية الساذجة، فإن الرسالة التي تتسلل إلى العقل، قد تكون أخطر من أحداث الفيلم نفسه.

وبعض الشباب صدق هذه الهالة بالفعل. أصبح يتعاطف مع المحتال، ويتمنى ألا تقبض عليه الشرطة، وربما يشعر بالحزن عندما يفشل مخططه! أي أننا أحياناً نجد أنفسنا، من دون أن نشعر، نشجع المجرم ضد من يحاول تطبيق القانون.

ثم تنتقل المسألة من الشاشة إلى الواقع. نرى شخصاً جمع ثروة بطرق مشبوهة، وبدلاً من السؤال عن مصدرها، ينبهر البعض بسيارته وساعته ومنزله وسفراته. وهكذا يحصل المحتال على أخطر جائزة يمكن أن يمنحها له المجتمع: الاحترام.

ولولا التربية الأسرية والضمير والقيم الدينية والأخلاقية والقانون، لربما كانت النتائج أكثر خطورة، لأن المجتمع الذي يبدأ بتجميل الكذب، قد ينتهي بتبرير السرقة، والمجتمع الذي يحتفي بالمحتال الناجح، يرسل رسالة سيئة إلى الإنسان الشريف بأن التزامه وأمانته لم يعودا موضع تقدير.

نحن بحاجة إلى إعادة تعريف «الذكي» و«الناجح».

الذكي ليس من يعرف كيف يسرق دون أن يُكتشف، ولا من يستطيع أن يكذب بطريقة مقنعة، ولا من يجمع الملايين بخداع الآخرين. الذكاء الحقيقي أن تعرف كيف تنجح دون أن تؤذي أحداً، وكيف تصنع ثروتك دون أن تسرق، وكيف تصل إلى أهدافك دون أن تفقد قيمك وضميرك.

لأن النجاح الذي يحتاج إلى الكذب ليس نجاحاً، والثروة التي تقوم على حقوق الآخرين ليست إنجازاً. وليس كل من خدع الناس ذكياً، كما أن ليس كل من عاش بشرف ساذجاً.

وهنا تأتي مسؤولية المنتجين والكتّاب وصنّاع الدراما. لسنا ندعو إلى منع أفلام الجريمة، أو إخفاء الشخصيات الشريرة عن الشاشة، بل ندعو إلى الوعي بالصورة التي تُصنع حولها. قدّموا المحتال كما هو، واكشفوا ذكاءه إن كان ذكياً، لكن لا تجعلوا الجريمة طريقاً لامعاً إلى المجد، ولا تجعلوا الأمانة مرادفاً للسذاجة، ولا تحوّلوا من يسرق أموال الناس ويهدم حياتهم إلى قدوة يتمنى الشباب تقليدها.

اصنعوا لنا أبطالاً أذكياء، ينجحون ويبنون ويبتكرون ويصنعون الثروة، دون أن يسرقوا أحداً. فالشاشة لا تصنع الترفيه فقط، إنها تصنع أيضاً صوراً للنجاح والبطولة، تبقى في أذهان الأجيال طويلاً. فلا تجعلوا المحتال بطلاً، ثم نتساءل بعد سنوات: من أين جاء كل هؤلاء المحتالين؟.