تحل غداً الأربعاء، السابع من أكتوبر، الذكرى السادسة والثلاثون لرحيل المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، الذي رحل عام 1990، بعد اثنين وثلاثين عاماً من الحكم، قاد خلالها دبي، وأسهم مع إخوانه الآباء المؤسسين في بناء دولة الإمارات.
لكن الحديث عن الشيخ راشد، بعد ستة وثلاثين عاماً على رحيله، لا ينبغي أن يكون حديثاً عن الماضي وحده، لأن كثيراً مما نراه حولنا اليوم كان بالنسبة إليه مستقبلاً رآه قبل أن يراه الآخرون.
حين نتأمل تجربة الشيخ راشد، عليه رحمة الله، يكون السؤال الأهم ليس عن ماذا بنى، وإنما عن كيف كان يفكر عندما قرر أن يبني.
تولى الشيخ راشد مقاليد الحكم في إمارة دبي عام 1958، في زمن كانت فيه الإمكانات محدودة، والمنطقة خارجة من سنوات صعبة أعقبت تراجع تجارة اللؤلؤ.
لم تكن عوائد النفط قد جاءت بعد، ولم تكن دبي المدينة التي يعرفها العالم اليوم، ومع ذلك بدأ الشيخ راشد مشروعه التنموي من فكرة بسيطة؛ لا تنتظر الثروة كي تبدأ التنمية، وإنما ابدأ التنمية كي تصنع الثروة.
لهذا اهتم بالتجارة والتجار، وعمل على تطوير خور دبي وتعميقه عندما أصبحت ضحالة مياهه تعوق دخول السفن الكبيرة. كان المشروع مكلفاً قياساً بإمكانات ذلك الزمن، لكنه لم ينظر إلى كلفته، وإنما إلى ما سيصنعه بعد إنجازه.
وحين اكتمل المشروع تعززت قدرة الخور على استقبال الحركة التجارية، وأصبحت دبي أكثر قدرة على توسيع دورها مركزاً للتجارة بين الشرق والغرب.
هذه الفكرة ستتكرر بعد ذلك في مشروعات كثيرة. افتتح مطار دبي عام 1960، في مرحلة مبكرة جداً من مسيرة المدينة، لأن الشيخ راشد أدرك أن المدينة التي تريد أن تكون جزءاً من العالم يجب أن تفتح أبوابها له.
وكانت رؤيته المبكرة للطيران وسياسة الأجواء المفتوحة من الأسس التي قام عليها تطور هذا القطاع لاحقاً، ثم جاءت الطرق والجسور، وميناء راشد، ونفق الشندغة، وميناء جبل علي، وغيرها من المشروعات التي قد تبدو لنا اليوم طبيعية، لأننا نعرف ما أصبحت عليه دبي اليوم، لكنها لم تكن كذلك عندما اتُّخذ قرار إنشائها.
وهنا تكمن قيمة الرؤية؛ أن تتخذ قراراً للمستقبل قبل أن يقدم لك المستقبل الدليل على أنك كنت على حق.
كان ميناء جبل علي واحداً من أبرز الأمثلة على هذه الفلسفة، فالمشروع لم يكن استجابة لحاجة حينها، وإنما كان رهاناً على مكانة دبي التي يمكن أن تصل إليها. لم يكن الشيخ راشد ينتظر أن تكبر التجارة كي يبني لها ميناءً كبيراً. كان يبني الميناء لكي تكبر التجارة حوله.
لم يكن الشيخ راشد رجل مشروعات فقط، وإنما كان رجل متابعة أيضاً. عُرف بوجوده في الميدان، ومتابعته الشخصية للمشروعات، ولقائه بالناس والاستماع إليهم. وربما كانت هذه من أسرار تجربته في الحكم؛ المسافة بين صاحب القرار ومكان التنفيذ كانت قصيرة.
وبالتوازي مع بناء الطرق والموانئ والمطار، كان يبني المؤسسات. تطورت في عهده دوائر البلدية والأراضي والشرطة والجمارك والمحاكم والكهرباء والمياه والطيران وغيرها، فقد أدرك أن المدينة لا تكبر بالأسمنت وحده، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تكبر معها، وإدارة تستطيع أن تحول الرؤية إلى عمل يومي.
الإنجاز الأكبر الذي تجاوز حدود إمارة دبي كان إيمان الشيخ راشد بالاتحاد، ففي فبراير 1968 التقت رؤية الشيخ راشد برؤية الشيخ زايد، طيب الله ثراهما، وانطلقت رحلة تاريخية انتهت بقيام دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر 1971.
بعد ستة وثلاثين عاماً على رحيله، ما زالت شواهد الشيخ راشد قائمة، لكن إرثه الحقيقي أكبر من ميناء ومطار وجسر وطريق، إنه طريقته في التفكير؛ أن ترى الفرصة قبل أن يراها الآخرون، وأن تبني للحاجة قبل أن تأتي، وأن تجعل من محدودية الإمكانات سبباً للابتكار، لا عذراً للتأجيل.
كان الشيخ راشد، طيب الله ثراه، يسابق الزمن، لهذا بقي أثره بعد أن مضى الزمن. وإذا أردنا اختصار تجربته في سؤال واحد، فربما لم تكن في سؤال: ماذا تحتاج دبي اليوم؟ وإنما في سؤال: ماذا ستحتاج دبي غداً؟ من هذا السؤال، بدأت حكاية مدينة ذهبت إلى المستقبل قبل أن يصل إليها.