في جميع الأديان والثقافات والحضارات كان المُعلِّم في مكانة عُليا لا ينازعه فيها أحد حتى قال المسيح عليه السلام: «إن معلم الناس الخير يُدعى في ملكوت السماء عظيماً»، وقد صحّ في الحديث عند الإمام مسلم، رحمه الله، أن سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال:

«إن الله لم يبعثني مُعنِّتاً ولا متعنِّتاً، ولكن بعثني معلِّماً ميسِّراً»، فإذا كان المُعلِّم بهذه المنزلة في نظر الأنبياء فإن الواجب على المجتمعات والثقافات أن تعزز هذه المكانة، وترتقي بها إلى مكانها اللائق بها بين جميع فئات المجتمع، فإن الثقافة التي تحترم المُعلِّم هي ثقافة جديرة بالحياة والنماء، وستكون حياتها في عافية وإبداع.

وبالمقابل فإن السبب الأعظم في انهيار الحضارات هو انحسار دور المُعلِّم القادر على بناء العقول وصناعة الشخصيات، وهو ما لخصه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في رسالته الجليلة الجزيلة «رسالة إلى المعلِّمين» حين قال: «علّمتني الحياة أن الحضارات تقوم على الأفكار العظيمة، وكل فكرة عظيمة أساسها مُعلِّم عظيم».

افتتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هذه الرسالة الثمينة بكلمات تلخص نظرته الأخلاقية لهذه الفئة المتميزة من المجتمع، فئة المعلِّمين الذين خصهم بالرسالة الثانية والعشرين من كتابه البديع «الرسائل» بقوله:

«رسالة إلى صُنّاع الأمل ومهندسي العقول، رسالة إلى من ندين لهم بالحياة الكريمة التي نعيشها، إلى من غرسوا القيَم ونشروا المعرفة، وأضاؤوا الأوطان بنور العلم»، بهذه الصفات الكريمة التي وصف بها صاحب السمو هؤلاء الجنود الكبار الذين يحمون المستقبل، ويصنعون الأرواح يفتتح كلامه في هذه الرسالة التي تستحق أن تكون وثيقة إدارية وإنسانية ومرجعية معرفية ومدونة سلوكية، تؤكد الدور العظيم للمعلِّم في بناء الحياة، فهو الذي يصنع الأجيال، وينظِّم العقل كالمهندس الذي يُبدع عمله ضمن أدق المعايير.

وهو الذي يبني الروح في الصغر لتظل تحتفظ له بهذا العطاء، وتدين له بكل ما تحققه في الحياة من منجزات، ولا عجب في ذلك، فالمعلِّمون بحسب عبارة سموه هم الذين يغرسون القيم، ويضيئون الأوطان بنور العلم والمعرفة.

فكان احترامهم نوعاً من التعبير عن إنسانيتنا التي نحترمها بفضل ما تعلمناه منهم من القِيَم والمعارف والأخلاق، وهو ما جزم به صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حين أكد التأثير الكبير للمعلِّمين فيما نلمسه في حياتنا من رعاية القيادات الشابة والمواهب المتميزة والكوادر المدربة، وموظفين يتحملون المسؤولية بكل شرف وانتماء، فكل هذه الفضائل الإنسانية مصدرها المُعلِّم الذي يُلهم الأجيال كل هذه الفضائل، وجميع هذه الأخلاق.

وبذكاء القائد الذي يواكب إيقاع العصر والتطور التقني والثقافي يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن الآلة مهما بلغت من التقدم فلن تُلغي دور المُعلِّم، حتى لو أصبحت الآلة قادرة على الشرح وتقديم المعرفة والإجابة عن أعمق الأسئلة.

لأن التعليم ليس موجّهاً فقط للعقل بل هو بناء متكامل للشخصيّة التي تستخدم هذا العقل، وبناء للأسلوب الصحيح في التفكير، واتخاذ القرار، وبناء الإطار الأخلاقي والقيمي والمجتمعي والوطني الذي يحكم الإنسان، وهذا دور عظيم يتشرّف المُعلِّم بالقيام به، وستبقى الآلة بمعزل عن هذا الدور الجوهري في بناء الشخصية، وإنضاج الإنسان.

إن قوة الآلة لا تُلغي قوة الإنسان المُعلِّم، فكلما أصبحت الآلة أقوى ازدادت الحاجة إلى المُعلِّم الذي يحرس الروح، ويرتب فوضى الشخصية، ويضبط إيقاع العقل، ويغرس شجرة الحكمة ويطور المهارات الحقيقية المسؤولة عن شخصية الإنسان، من خلال تجذير قِيَم التعاون والتعاطف وفهم البشر وهو ما لخصه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بكلمة جازمة شديدةِالإيحاء حين قال:

«المهارات التي تجعل الإنسان إنساناً، وهذا في رأيي هو أعظم تكريم للمعلِّم في وجه تغوُّل الآلة على حياتنا، ومحاولة أنصارها زعزعة الإنسان عن مكانه الفطري الذي يستحقه في صناعة الحياة، وحماية روح الإنسان».

وتأكيداً على كل ما سبق يقول سموه في الإعلاء من شأن المُعلِّم في هذا المجتمع الحديث جداً: «لا يمكن الاستغناء عن دور المُعلِّم في حياتنا، لأن دوره سيتغير من ناقل للمعرفة إلى دليل للمعرفة، يساعد الطالب على تمييز الحقيقة من الزَّيف، والمهم من غير المهم، فلم يعُد السؤال هو: أين نجد المعرفة؟

بل كيف نستخدمها؟ ولم يعُد السؤال: أين نتعلّمها؟ بل كيف نصنع منها قيمة جديدة للبشر، وهذا هو دور المُعلِّم اليوم».

وتزداد ثقة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بالدور الطليعي للمعلّم حين يقول: «دور المُعلِّم في السابق كان تعليم الطالب ليكون مستعداً للحياة، دوره اليوم أن يغرس فيه أن التعلّم هو الحياة، ولا يمكن أن يمارس المُعلِّم هذا الدور دون أن يتحوّل هو أيضاً إلى متعلِّم دائم، لأن المُعلِّم الناجح لا ينافس الآلة بل يجعلها مساعده الشخصي في أداء دوره ورسالته».

وهكذا وببصيرة القائد اللمّاح يفُكُّ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هذا الاشتباك المصطنع بين الآلة والإنسان، ليخرج بهذه المعادلة التي تزحزح التفاضل لصالح فكرة التكامل، ولتنشأ علاقة إبداعية بين الآلة والإنسان في سبيل الرقي بالحياة، وتطوير مكتسبات الروح والعقل في الإنسان.

كثيرة جداً هي الأفكار الرائعة التي اشتملت عليها رسالة سموه إلى المعلِّمين لكنني سأختم الحديث بهذه العبارة المذهلة من كلام سموه حين قال وهو على مشارف النهاية من فقرات رسالته:

«علّمتني الحياة أن الدول تبني الجيوش لحماية الحدود، لكنها تبني المدارس لحماية المستقبل، وأن الجيوش تحمي الجغرافيا، ولكن التعليم هو الذي يصنع التاريخ، وأنتم صُنّاعُ التاريخ وبُناةُ المستقبل».