ذلكم القائد متعدد المواهب والجهات، فهو الحاكم والقاضي والمهندس والتاجر والمصلح والإداري والاقتصادي، ليكون من مجموع هذه الصفات قائد مُلهم هو الشيخ راشد بن سعيد، الذي يخاطبه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من خلال رسالة بعنوان «رسالة إلى أبي»، كتبها بصيغة بديعة تراوح بين الغياب بالجسد والحضور العميق بالروح والتأثير من خلال ما يراه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من ملامح والده في كل ملمح من ملامح الحياة في دبي، حيث يخاطبه قائلاً:
«رسالة إليك وأنت الحاضر الغائب، رسالة إليك وأنا أراك كل يوم في دبي، في شوارعها ومشاريعها وموانئها وأسواقها، في روحها وتسامحها وفي أحلام أجيالها»، وكيف أن هذا الحضور ليس مجرد حضور رمزي يكون على شكل ذكرى يتلاشى صداها بانقضاء يومها، بل هو حضور فاعل قوي في دعوات أبناء دبي وكرامة مواطنيها وبساطة أهلها وعظمة مُنجزاتها، وهي ملامح راسخة في حياة دبي لا تزداد على مرور الأيام إلا رسوخاً وإشراقاً.
فالشيخ راشد حاضر في تفاصيل الحياة وليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو طيف يستحضره أبناء دبي. ومن خلال ذاكرة متوهجة بالماضي الجميل يستحضر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد صورة بديعة لوالده وهو يحمل بوصلة دائمة ليعرف بها جهة القبلة أينما حل وارتحل، ليوظف سموه هذا الحدث بأسلوب فريد حين جعله مرشداً وهادياً ودليلاً لكل من جاء بعد الشيخ راشد، حيث أبدع سموه في استلهام هذه اللحظة بقوله: «أحببت أن أخبرك يا أبي بأن بوصلتك ما زالت معنا، تدلنا على الاتجاه وتحدّد لنا التوجه، وتحفظ لنا الطريق نحو الغاية التي وضعتها لدبي».
«ما زالت البوصلة معنا يا أبي، نحفظ المعروف للناس كما أمرتنا، ونحكم بالعدل كما أوصيتنا، ونرحم الناس كما وجهتنا»، لتكون هذه الكلمات هي خير تعبير عن أخلاق ذلك الوالد العظيم الذي مضى على غيابه عشرات السنين، لكن روحه البيضاء لا زالت ترفرف فوق دبي تلقي السلام على أهلها وتوصي القادة لهذا الشعب بكل خير، وهي البوصلة التي ما زالت تُلهم قادة دبي في بناء المشاريع واستقبال الحالمين وتطوير الخدمات لراحة المواطنين والمقيمين، وهي البوصلة نفسها التي ما زال سموه يستلهمها في دعم التجار الذين كان الشيخ راشد يجالسهم ويرشدهم إلى سواء السبيل، لرفع مستوى أحلام البلاد وإنجازاتها.
«تعلمت من أبي أنه لا رجاء للحاكم الظالم في رحمة الله، ولا عز لمن غرته السلطة فأنْسَتْهُ حقوق البسطاء، ولا رخاء إلا في الثقة بين الحاكم والمحكوم، وتعلمت أن لا مكان للتكبر ولا للنزوات أو السهو عن الواجبات ولا لتجاهل مطالب الناس»، لتنتقل الرسالة بعد ذلك من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب الحاضر حين يقول سموه: علمني أبي، لتسليط الضوء على الأثر المباشر المقصود، وأن هذا التعليم لم يكن عن طريق المصادفة بل كان ناشئاً عن وعي بقيمة ما يغرسه الوالد القائد في نفوس أبنائه، فيقول:
«علمني أبي أن الكلمة شرف الرجل، فلا أُحبُ النفاق والمنافقين، ومدّعي المعرفة والمداحين، علمني أبي أن الدين محبة ورحمة وتسامح وتعارف بين البشر، وأن الكريم من يُكرم الناس، واللئيم من يتكبر على خلق الله».
«علمني أبي أن ساعات الفجر الأولى هي أعظم الأوقات وأفضلها لاتخاذ القرارات والتفكر في مختلف الموضوعات ومتابعة أهم المشروعات»، وبتأثير هذه الساعة المباركة تعلم سموه من أبيه أن حُسن التخطيط وبُعد النظر وعدم التبذير واستغلال الموارد على قلّتها هي أعظم الوسائل لتعظيم أثرها على البلاد والعباد، ولتأكيد هذا الحضور العميق يخاطب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد والده قائلاً:
«والدي وقائدي: كل إنجاز تحقق بعدك فيه شيء منك، وكل حلم سعينا وراءه امتداد لأحلامك، وكل سطر كتبناه في مجد بلادنا جزء من كتابك».
«ليتك ترى أحفادك اليوم يا أبي، أتابع حمدان فأرى فيه منك شغف البدايات وشرارة الانطلاقات وحماسة الأفكار الكبرى، أتابع حمدان فأرى فيه قربك من الناس، وبساطتك مع الخلق، ورحمتك بأبناء دبي وأهلها، أتابع حمدان فأرى فيه روح راشد، وتسامح راشد، وقلب راشد، ولو رأيت مكتوم يا أبي لرأيت فيه هدوءك الذي يُخفي عزيمة وقوة وهمة وإصراراً، لرأيت فيه رجولة ومسؤولية تحمل الجبال، لو رأيت مكتوم يا أبي لرأيته مثلك، قليل الكلام، كثير التفكر، عظيم الإنجاز، ولو رأيت أحمد بن محمد لرأيت فيه قلباً كقلبك يحمل هم الوطن ورسالته»، ثم يلخّص سموه ذلك كله بقوله:
«لقد امتد أثرك فيهم يا أبي كما يمتد نور الفجر في السماء، وكما تسري طاقة الحياة في الأرض»، لتكون خاتمة هذه الرسالة هي هذه الكلمات الرائعة التي تقطر عذوبة ووفاءً: «ما زلت حاضراً معنا، بفكرك وأفكارك، وقِيَمك وأخلاقك، وأحفادك، ما زلت حاضراً معنا وستبقى، رحم الله أبي، ذلك الشهم الأبي».
