حين كتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، سيرته الذاتية الأولى «قصتي: 50 قصة في خمسين عاماً» كان لوالدته طيبة الذكرى المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، الحضور الأكبر بين جميع الشخصيات التي اشتملت عليها هذه السيرة البديعة، حيث خصص لها ثلاثة مقالات متتالية بعنوان «لطيفة»، قص فيها تفاصيل الحياة الجميلة التي عاشها في كنف هذه الأم الرؤوم، وكيف أنها كانت هي المدرسة الثانية في حياته بعد مدرسة الشيخين الجليلين المغفور لهما: زايد بن سلطان آل نهيان، وراشد بن سعيد آل مكتوم، رحمهما الله، حيث نهل من أخلاقها أنبل الصفات، وتعلّم على يديها أروع الدروس، وهو ما قصه بكل فخر واعتزاز في حديثه عن هذه الوالدة العظيمة، وكان يعبر عن حنينه بين الحين والآخر حين يقول: من مثلك يا أمي؟ من يشبهك يا أمي؟ وحين ختم القصة الأولى ختمها بهذا المقطع الشعري العذب الجميل:
مهما الليالي تدور
حبك ترى في الصدور
إنتِ يا بدر البدور
لك كل حب وشعور
وحين غادرت الشيخة لطيفة بنت حمدان هذه الدنيا، عام 1983م، رثاها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بكلمات تقطر حزناً ووجعاً على غياب هذا الوجه الذي كان يضيء له الطرقات، وهو ما عبر عنه بقوله: «تغير بيتنا بعد رحيل أمي، تغيرت حياتنا بعد رحيل الشيخة لطيفة بنت حمدان، عندما يرحلون ينطفئ شيء في حياتنا وفي بيوتنا، عندما يرحلون تتغير ملامح الطرقات والبيوتات والوجوه، حتى الطعام يتغير طعمه، عندما يرحلون يرحل شيءٌ منا معهم وتبقى ذكراهم لتقوينا على مواجهة الحياة من بعدهم».
وها هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يستعيد ذلك الصدى العميق الذي يسكن قلبه وروحه حين يتذكر والدته، فيكتب لها رسالة باهرة المحتوى يعجز القلم عن شرح محتواها بسبب ما سيطر عليها من العاطفة الصادقة التي تصل إلى تخوم البكاء، حيث استعاد ذلك الحضور الجميل النبيل لوالدته في حياته الشخصية وحياة والده وإخوانه وحياة أهل دبي الذين كانت ترعاهم بقلبها الكبير، وتأخذ ولدها محمداً صاحب السمو، من أجل توزيع الخيرات على المحتاجين، وهي السيدة التي أظلمت دبي يوم رحيلها، وضجّ عليها الناس بالبكاء والدعاء، لتظل هذه السيدة الجليلة عميقة الحضور في وجدان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الذي افتتح هذه الرسالة بقوله: «رسالة إلى قلبي وروحي ووطني وحبيبتي، إلى سبب وجودي، ومصدر حياتي، وحقيقة نجاحي، إلى أمي لطيفة بنت حمدان آل نهيان»، ففي هذا المطلع تلخيص لكل معاني الوجود الإنساني الذي يشعر به صاحب السمو، ويراه مرتبطاً بوالدته الطيبة النبيلة التي وصفها بعد ذلك بقوله: «المرأة الصالحة الطيبة النقية التقية، الراضية بقدر الله الساعية لخير الناس، رسالة إلى أمي لطيفة المداوية للمرضى، المطعمة للفقراء، الراعية للأيتام»، فمن كان له هذه الصفات فكيف للقلوب أن تنساه؟ وهي إلى جانب هذا الجانب الإنساني من شخصيتها العامة كانت السند بل الجبل الذي استند إليه زوجها الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، الذي ارتضاها رفيقة لدربه أربعين عاماً، وحين غادرت هذه الحياة كان هو أكبر المتأثرين لفراقها، لتهيمن على الرسالة بعد ذلك مفردة «ليتك» التي عبّر بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عن أعمق أمنياته حين قال: «ليتك اليوم معي، ليتني قدرت أعطي من عمري لعمرك، ومن سنواتي لأيامك، ومن حياتي لأسمع صوتك» ثم يصف هذا الصوت الراسخ في وجدانه فيقول: «في صوت أمي شيء يشبه النجاة، يشبه الحياة، يشبه الدعاء الذي يرتفع للسماء».
ويعود صاحب السمو بذاكرته إلى الماضي البعيد، حيث كان يتنعم بالظل الوارف لهذه الأم النادرة فيقول: «ليتك اليوم معي، ليتني أتناول فطوري في الصباحات الباكرة من يديك، من خبزك، من قهوتك، من ابتسامة وجهك، ليتك اليوم معي نتحدث عن الأعشاب كما كنا، نتحدث عن الخيل كما تعودنا، نرعى الغزلان الصغيرة التي كانت في بيتنا».
بعد ذلك يصف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مشاعره الصادقة ومشاعر والدته حين أخبرها أنه عازمٌ على الذهاب إلى لندن، وكيف أنها زودته بسترة أنيقة كي يأخذها معه إلى بلاد الضباب، ليعود بعد هذا كله إلى الأمنية الأغلى على قلبه حين يقول: «ليتك اليوم معي يا أمي وسندي ومصدر إلهامي وأحلامي»، ويزداد إحساس صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بالفقد والحنين وهو ما يزال يتمنى وجود والدته حتى يختم هذا المقطع من الرسالة بقوله: «ليتك اليوم معي بحبك الذي كان لي الأمان وقت الشدة، والملجأ وقت الحزن، والراحة عند التعب».
بعد ذلك تنعطف الرسالة إلى الدروس التي تعلمها صاحب السمو من خلال علاقته بوالدته في الحياة وبعد الرحيل فيقول: «علمتني الحياة يا أمي أن الإنسان يكبر لكنه لا ينسى رائحة أمه، ولا ينسى حضنها ولا ضمة فؤادها، ولا يكبر على دعواتها، ولا يستغني عن بركاتها» ثم تبلغ الرقة مداها الأعلى في قلب صاحب السمو حين يقول: «علمتني الحياة يا أمي أنكِ أنتِ الحياة، من لديه أم فهو الغني، من لديه أم لديه العالـم كله، ومن غابت عنه أمه يا حبيبتي فَقَدَ عالَـمَـه».
ولأن المجال يضيق عن إضاءة جميع أفكار هذه الرسالة فسوف أختمها بهذه الخاتمة الرائعة التي ختم بها صاحب السمو حين قال: «علمتني الحياة يا أمي أشياء كثيرة، ولكنها لم تعلمني كيف أعيش بدونك؟ رحمك الله يا من لا يغيب وجهها عن قلبي، ولا تغيب روحها عن روحي، ولا تغيب ذكراها عن بلادي».
