في الماضي، ومنذ أن أصبح الإحصاء وظيفة مؤسسية للدول، كان التعداد السكاني يعني، ببساطة، أن تطرق جهة رسمية أبواب الناس لجمع معلومات عن السكان وأعمارهم وأعمالهم وغيرها من البيانات. وكانت عملية إحصاء السكان حينها تستغرق أشهراً، لتأتي بعدها مرحلة أخرى لمعالجة النتائج ثم نشرها.
وفي العقود الأخيرة، شهد العمل الإحصائي تحولاً مهماً، مع انتقال العديد من الدول إلى استخدام السجلات الإدارية في التعدادات السكانية، بدلاً من الاعتماد الكامل على التعداد التقليدي. ولم يكن ذلك تحولاً تقنياً فحسب، بل تحولاً في فلسفة الإحصاء نفسها: لماذا نطلب المعلومة من الناس مرة أخرى إذا كانت موجودة بالفعل، ويمكن الوصول إليها بصورة آمنة وموثوقة؟
اليوم، أصبح هذا السؤال أكثر أهمية، لكنه في مدينة مثل دبي يطرح تحدياً إضافياً.
فدبي مدينة مفتوحة ومتصلة بصورة وثيقة بمحيطها، يعيش ويعمل ويتنقل فيها يومياً أشخاص يقطنون في مختلف إمارات الدولة. ولذلك، فإن معرفة عدد الموجودين في المدينة وحركتهم وخصائصهم واحتياجاتهم لا يمكن أن تعتمد فقط على المفهوم التقليدي للسكان أو على عنوان الإقامة المسجل.
ومن هنا، تعمل مؤسسة دبي للبيانات والإحصاء في دبي الرقمية على تطوير نهج للتعداد اللحظي للسكان، بالاستفادة من تكامل البيانات الإدارية ومصادر البيانات المختلفة والتقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، بما يعزز قدرتنا على تكوين صورة أكثر دقة وحداثة عن المدينة وحركتها السكانية. والغاية ليست معرفة الأعداد فحسب، بل توفير معرفة تدعم التخطيط للخدمات والبنية التحتية والسياسات، وتساعد متخذ القرار على فهم احتياجات المدينة في الوقت المناسب.
هذا المثال يلخص جانباً من التحول الأوسع في مفهوم الإحصاء اليوم. فإذا كان الإحصاء في السابق وسيلة لتوثيق ما حدث، فهو يتجه بصورة متزايدة إلى فهم ما يحدث الآن واستشراف ما يمكن أن يحدث مستقبلاً. ولم يعد أداء المؤسسة الإحصائية يقاس فقط بعدد المسوح والتقارير والمؤشرات، وإنما بقدرتها على بناء صورة متكاملة وموثوقة للواقع، وتقليص المسافة الزمنية بين حدوث التغيير والقدرة على قياسه وفهمه.
هذه الفلسفة ليست جديدة على دبي. ففي عام 2015، صدر قانون بيانات دبي، ليضع إطاراً متكاملاً لتنظيم نشر البيانات وتبادلها، ويجعل دبي من أوائل المدن التي أرست متطلبات تشريعية لمشاركة البيانات ونشرها. وفي عام 2023، جاءت محطة مهمة بإنشاء مؤسسة دبي للبيانات والإحصاء في دبي الرقمية، والجمع تحت مظلة مؤسسية واحدة بين اختصاصات البيانات والإحصاء وحوكمة البيانات والتحليلات المتقدمة وعلوم البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وكان لهذا التكامل أثر يتجاوز الجانب المؤسسي؛ فقد أتاح لنا فرصة لإعادة النظر في المنهجيات الإحصائية نفسها، وتعزيزها وإثرائها ببيانات المدينة، وتوسيع الاستفادة من البيانات الإدارية، وتعزيز حداثة البيانات وجودتها، وربطها بمصادر متعددة.
وينعكس ذلك على طيف واسع من المنتجات الإحصائية، من بيانات السكان إلى مؤشرات أسعار المستهلك والتضخم والاستهلاك وغيرها من المؤشرات الاقتصادية. فكلما استطعنا دمج المصادر المختلفة والاستفادة من بيانات المدينة بصورة أكثر كفاءة، أصبحنا أقدر على تطوير إحصاءات تعكس المتغيرات بصورة أسرع، وتساعدنا على الانتقال تدريجياً من إحصاءات تصف الماضي إلى إحصاءات تواكب الحاضر وتدعم استشراف المستقبل.
وتشكل بوابة «بيانات.دبي» امتداداً لهذا التوجه، بوصفها الوجهة الرسمية الموحدة لبيانات وإحصاءات الإمارة. وقيمتها لا تكمن فقط في ما تتيحه من بيانات، وإنما في جعل هذه البيانات أكثر قابلية للوصول والاستخدام والتحليل، بما يوسع دائرة المستفيدين منها لتشمل الحكومة وقطاع الأعمال والباحثين والمستثمرين وأفراد المجتمع.
غير أن سرعة الوصول إلى البيانات واتساع نطاق استخدامها لا يكفيان وحدهما لتحقيق قيمتها الكاملة من دون عنصر الثقة؛ فكلما كان مصدر البيانات واضحاً، وجودتها موثوقة، وتحديثها منتظماً، واستخدامها محكوماً بمعايير واضحة للتصنيف والتبادل والحماية، ازدادت قدرتها على دعم القرارات وصناعة القيمة. ومن هذا المنطلق، يمثل قانون بيانات دبي وأطر الحوكمة ذات الصلة ركيزة أساسية لترسيخ الثقة في منظومة البيانات، وليس مجرد إطار تنظيمي.
وتؤكد التجارب الدولية المتقدمة هذا الاتجاه؛ فمن مبدأ «مرة واحدة» في إدارة البيانات في إستونيا إلى الاعتماد الواسع على السجلات الإدارية في الدنمارك، تتجه الأنظمة الإحصائية الأكثر نضجاً نحو تقليل تكرار جمع البيانات، وتعزيز تكاملها وإعادة استخدامها، والانتقال من البيانات المجزأة إلى منظومات أكثر ترابطاً.
لكن لكل مدينة خصوصيتها، ودبي تطور نموذجها انطلاقاً من طبيعتها واحتياجاتها وسرعة تحولاتها. ونحن ننظر إلى ما تحقق حتى اليوم باعتباره محطة في مسار مستمر للتطوير، لا نهاية له؛ فالتقنيات والأدوات الجديدة ستواصل تغيير الطريقة التي نجمع بها البيانات ونحللها ونحوّلها إلى معرفة.
وطموحنا في هذا السياق هو أن نواصل تطوير منهجياتنا، والاستفادة من البيانات الإدارية والتقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، واستكشاف أدوات ومصادر جديدة تعزز جودة الإحصاءات وحداثتها وقدرتها على مواكبة مدينة لا تتوقف عن التغير.
فوراء الأرقام قصص ودلالات، وخلف المؤشرات بشر وقرارات واحتياجات وفرص. وحين نستطيع قراءة هذه المعطيات في وقتها، وربطها ببعضها وتحويلها إلى معرفة، فإننا لا نكتفي بقياس ما حدث في المدينة، بل نصبح أكثر قدرة على فهم ما يحدث فيها، واستشراف احتياجاتها، والاستعداد لما هو قادم.
وهنا يتحول الإحصاء من سجل للماضي إلى أداة لصناعة المستقبل.

