هذه واحدة من الرسائل العميقة الغور التي اشتمل عليها كتاب «الرسائل» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، فسّر فيها سموه مفهوم الثقة على نحو مبتكر غير معهود نابع من خبرته العميقة في الحياة، وعلى الرغم من استعانته ببعض النظرات الفلسفية في تفسير معنى الثقة.

إلا أن رؤيته الذاتية العميقة هي التي منحت هذه الرسالة هذا التفرد في عمق المغزى الأخلاقي الذي أسبغه سموه على فضيلة الثقة حين ارتقى بها إلى هذه الذروة العالية من العمق والتأثير والفاعلية في حياة الأفراد والمجتمعات على حد سواء.

لقد اختبر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مفهوم الثقة من خلال حوار جميع بينه وبين مجموعة من الأصدقاء والمسؤولين تحاوروا فيما بينهم عن عملة المستقبل القادمة، وتنوعت الإجابات بحسب اختلاف وجهات النظر.

حيث ذهب بعض الحاضرين إلى أن الماء هو عملة المستقبل القادمة بسبب شدة الحاجة إليه، واشتداد الصراع بين الدول إلى الحد الذي جعل بعض الخبراء يتوقع أن يكون الصراع على الماء هو سبب الحرب العالمية الثالثة، ومن هنا يجب على الدول أن تحتفظ بقدرتها الاستراتيجية على توفير الماء لأن الرهان عليه هو الرهان على المستقبل.

متحدث آخر قال إن الذكاء الاصطناعي سيكون هو عملة المستقبل لقدرته على فتح الآفاق الجديدة أمام البشرية وتغييره لطريقة التفكير، حيث دخلت الآلة في جميع شؤون الحياة، بحيث انعكس ذلك على قوة الشركات العاملة في هذا الحقل واحتلالها المشهد الاقتصادي، فهو نفط المستقبل، والرهان عليه هو الرهان على المستقبل.

أما ثالث الأجوبة فقد اختار أن تكون الطاقة هي عملة المستقبل لأنها هي التي تشغل الذكاء الاصطناعي، فتطوره مرهون بتوفر الطاقة، ولذلك ستكون الطاقة هي عملة المستقبل، ثم رمى الجميع بأبصارهم نحو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يسألونه رأيه في عملة المستقبل، فما كان منه إلا أن بدّد كل التوقعات السابقة وطرح رؤيته النابعة من خبرته العميقة في الحياة والحُكم والإدارة ليقول لهم: «العملة التي نراهن عليها هي الثقة».

ينتمي هذا الجواب في جوهره وحقيقته إلى الحقل الأخلاقي، ويبتعد -عن وعي وبصيرة- عن الجواب النابع من التأملات العقلية الفلسفية والتحليلات النظرية المرتبطة فقط بالنظرة المادية للأشياء والقيم، بل يستلهم رؤيته من طبيعة الحياة، وعُمق الخبرة وقوة التجربة، وهو ما سيفسره سموه بنبرة معمورة بالثقة الجازمة حين قال:

«ثقة البشر في بلادنا هي عملة المستقبل، وهي التي ستجلب المستثمر والمواهب في الذكاء الاصطناعي، وهي التي ستعطينا شركاء عالميين في الطاقة، وهي التي ستوفر لنا أفضل التقنيات والاستثمارات في مجال الماء، الثقة عملة نادرة في هذه الأيام، ونُدرتها تعطيها قيمة عظيمة، وإذا فقدناها فقدنا أهم رأس مال وطني نملكه».

بعد ذلك يعزز صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رؤيته العميقة هذه بتقارير دولية تشير إلى انخفاض مؤشرات الثقة بالحكومات التي وصلت في أحسن أحوالها إلى مستوى 53% في حين كانت دولة الإمارات العربية المتحدة هي التي تصدرت مؤشر إدلمان للثقة للعام 2026، ليستلهم سموه بعد ذلك الدروس التي تعلمها في الحياة فيما يخص شأن الثقة وفلسفتها في تقدم الحياة الاقتصادية فيقول:

«الثقة هي التي تجعل القانون يُحترم لأن الجميع يعرف أنه يُطبَق على الجميع، الثقة هي التي تمنح الخبر مصداقية؛ لأن الناس تعرف أن الحكومة لن تكذب، الثقة هي التي تجعل السوق مستقراً، لأن المستثمر يعرف أن الحكومة في صفه، الثقة هي التي تجعل الناس وقت الأزمات يلتزمون بالتعليمات، لأنهم يصدقون بأن الهدف سلامتهم وراحتهم، وإذا فُقدت الثقة فقدتَ كل ذلك».

ومن أعماق التاريخ الغائر القديم يذكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مقولة منسوبة للفيلسوف الصيني كونفوشيوس حول فلسفة الثقة يقول فيها:

«إن الحكم يحتاج إلى ثلاثة أشياء: الغذاء والسلاح وثقة الناس، وإذا اضطر الحاكم للتخلي عن أحدها يتخلى أولاً عن السلاح ثم عن الطعام، أما الثقة فلا تقومُ الدولة بدونها».

وتزداد نظرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عُمقاً وثراء وهو يفسر فلسفة الثقة حين يقول: «يخطئ البعض عندما يعتقد بأن الثقة هي نتيجة للنمو الاقتصادي والاستقرار المالي، العكس هو الصحيح تماماً، الثقة هي المقدمة وهي التي تصنع الرخاء والنمو والاستقرار الاقتصادي»، ولكي يحدد سموه المحتوى العملي للثقة وأنها ليست فكرة مثالية يعزز كلامه السابق قائلاً:

«الثقة تُكتَسب عبر سنوات طويلة من العمل والجهد واستقرار القوانين واحترام الإنسان وشرعية الإنجاز، فتبني رصيداً ضخماً لدى الناس، تسحب منه الحكومات وقت الأزمات، فيكون الناس شركاء في إدارة الأزمات ومواجهة أي تحديات لأنهم يثقون أن الأزمة مؤقتة والاستقرار دائم، الثقة هي عهد بيننا وبين الناس، ونحن لا نخون عهودنا».

وفي صورة من أروع صور الثقة يستشهد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بموقف أحد المسؤولين في إحدى الدول الكبرى التي بعثت الطائرات لإجلاء رعاياها من الإمارات بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية وكيف أن هؤلاء الرعايا رفضوا مغادرة الإمارات بسبب شعورهم العميق بالثقة والأمان، وهو ما عقَّب عليه سموه بقوله:

«ما الذي يجعل البشر يأتمنونك على أنفسهم وأُسرهم وأطفالهم وأموالهم أثناء الحرب ويرفضون العودة لبلدانهم؟ إنها الثقة التي عملنا عليها خلال خمسين عاماً، والعهد الذي بيننا وبينهم أن نحميهم، والثقة بأن الاستقرار سيعود، والاقتصاد راسخ وقوي، والمستقبل مليء بالفرص».

ثم كانت هذه الخاتمة الرائعة التي تمنح الثقة بُعداً دينياً وأخلاقياً في منظور صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حيث يقول: «الثقة أسلوب حياة في بلادنا بحمد الله، نحن نثق بربنا ونتوكل عليه، وبأن الخير بيديه، ونثق بالمستقبل، ونتفاءل دائماً بأن القادم أجمل... والقادم أجمل بإذن الله».