إدارة التناقضات في النظام الدولي


منذ أن ظهر النظام الدولي بمفهومه وقواعده بعد الحرب العالمية الأولى كان ينظر للنظام الدولي باعتباره خريطة واضحة من حيث القوى الكبرى المتنافسة فيما بينها، ودول متوسطة وصغيرة، تتحرك في دوائر نفوذ تلك القوى، وبناء على ذلك التنافس تتحرك الدول وفق مساحات النفوذ، ففي التحالفات الدولية يتم تحديد المسارات السياسية والأمنية، بحيث تكون شبه ثابتة، إلا أن واقع النظام الدولي اليوم يختلف تماماً، حيث أصبح أقل قابلية للاصطفافات الدولية الثابتة، ويمكن لأي دولة لديها القدرة والرؤية الواضحة لتحقيق مصالحها أن تنشئ تحالفاً أمنياً مع دولة أو حلف عسكري، وتبني شراكة اقتصادية مع دول أخرى أو تنظم لتكتل اقتصادي، لا ترتبط مع دوله أمنياً ولا سياسياً، ويمكنها الاستثمار في منظومات تكنولوجية مع دول وشركات كونه إطاراً ثالثاً، وفي الوقت نفسه تستطيع المحافظة على علاقاتها السياسية بشكل واضح مع الجميع.
في العام 2022 نشرت مقالاً بعنوان النظام العالمي الجديد، ذكرت فيه أن المراقبين لتحولات النظام الدولي يرون نهاية نظام أحادي القطبية، لكن شكل النظام القادم غير واضح، وقد طرحت تساؤلاً: هل من الممكن أن يكون النظام العالمي الجديد نظاماً غير تقليدي كأن يكون نظاماً عالمياً قارياً متعدد الأقطاب، أي يتكون من القطب الأنجلوسكسوني بزعامة أمريكية، والقطب الأوروبي بزعامة فرنسية ألمانية، والقطب الآسيوي بزعامة صينية، بالإضافة إلى قوى إقليمية؟
في الحقيقة إذا أردنا الحديث عن نظام ثنائي أو متعدد الأقطاب حسب المفهوم التقليدي، فهذا يفترض وجود قوى كبرى تتنافس داخل النظام الواحد، لكن الواقع أكثر تعقيداً وتشابكاً، فالمنظومة المالية العالمية ما زالت تعتمد على مؤسسات مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي المقابل تظهر ترتيبات استثمارية ومالية بديلة، وتكتلات اقتصادية جديدة، أما في المجال الأمني والعسكري ما زالت الولايات المتحدة تتربع على العرش، بسبب شبكاتها الواسعة من التحالفات العسكرية والأمنية، لكن في المجال الاقتصادي فإن الصين مستمرة في توسيع حضورها الاقتصادي والتكنولوجي بسرعة وقوة، أما روسيا فتحاول الحفاظ على مناطق نفوذها التقليدية، والبحث عن مناطق جديدة خاصة في أفريقيا، والقوى المتوسطة تسعى لاستغلال والاستفادة من الوضع لبناء علاقات متوازنة مع أكثر من طرف.
من خلال هذه التطورات والتغيرات يتأكد لنا أن الدول غير ملزمة في بناء سياساتها الخارجية وفق حزمة واحدة وثابتة من العلاقات، بل يمكنها أن تبنى شراكة أمنية مع طرف، واستثمارات مع طرف آخر، وتجارتها مع طرف ثالث، وفي الوقت نفسه تحتفظ بعلاقات دبلوماسية جيدة مع الجميع.
وكما هو معلوم أن السياسة والعلاقات الدولية مبنية على تحقيق المصالح الوطنية، لذا يحق للدول أن تدير كل ملف وفق مصالحها وحساباتها من دون الاصطفاف الكامل مع طرف معين، ومن دون افتراض أن العلاقة مع دولة ما يستوجب التطابق التام معها في كل المجالات، فالدولة التي تعتمد على طرف واحد تكون أكثر عرضة للضغط، أما الدولة التي تنوع اعتمادها وشراكاتها تملك مساحة أوسع للمناورة والحركة، وتكون لديها القدرة والأريحية في اتخاذ قراراتها، وهنا تبرز أهمية الاستقلالية الاستراتيجية، بحيث تكون أقل ارتباطاً بفكرة الابتعاد عن الحلفاء، وأكثر ارتباطاً بتجنب تحول الحليف ليكون الخيار الوحيد، لكن هذه الاستقلالية الاستراتيجية ليست مجانية، ولا بد من مقابل لها، فكلما تنوعت الشراكات وازدادت العلاقات وتوسعت شبكاتها تزداد في مقابلها تحديات وصعوبات إداراتها، لذا قد تجد الدولة نفسها أمام لحظة صعبة تتعارض فيها مصالحها الاقتصادية مع التزاماتها الأمنية أو تتصادم مع العقوبات الاقتصادية أو تكون التكنولوجيا جزءاً من الصراع السياسي، لذا في مثل هذه الحالات تصبح القدرة على إدارة هذه الملفات وتناقضاتها ضرورة استراتيجية وحتمية.
في مثل هذا النظام تصبح الدولة المتوسطة أكثر المستفيدين، فهي لا تملك القدرة لفرض القواعد الدولية، لكنها تستطيع استغلال الجغرافيا وأسواقها وأموالها ودبلوماسيتها وتنوع علاقاتها لتوسع مساحة وهامش حركتها، إذاً هي تكسب قوتها ليس من الهيمنة بل من قدرتها على تنويع خياراتها.
المناورة بين القوى الكبري ليست جديدة في النظام الدولي، الجديد هو المساحة الأكبر المتاحة للمناورة، وهذا يعتبر طبيعياً في ظل التداخل الكبير بين التكنولوجيا والاقتصاد والأمن، وعدم قدرة دولة كبرى واحدة على احتكار كل المجالات، لذا هنا نطرح سؤالاً: من سينتصر في الصراع القادم بين الدول الكبرى؟ وما عناصر النجاح والانتصار؟