من المحروسة... حين يحمل الدبلوماسي ثقافة وطن

من المحروسة، القاهرة التي لا يمرّ بها التاريخ عابراً، بل يقيم في شوارعها، ويتحدث من مآذنها، وتنبض به ذاكرة الأدب والفكر والثقافة، أكتب مقالتي هذا الأسبوع، وقد حملت لي زيارتي إلى سفارة دولة الإمارات لدى جمهورية مصر العربية تجربة وشعوراً أعتزّ به.

تشرّفتُ بلقاء السفير حمد عبيد الزعابي، في زيارة مثمرة اتّسعت فيها مساحات الحوار لتلامس الأدب والثقافة والفكر، وتستحضر عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تجمع الإمارات ومصر، وما يمثّله التبادل الثقافي بين البلدين من امتداد حضاري وإنساني يستحق أن نمنحه مزيداً من الاهتمام.

وحين أتأمّل هذه النماذج الإماراتية المشرّفة، أعود بفكري إلى مدرسة القيادة الرشيدة؛ تلك المدرسة التي جعلت من الحكمة نهجاً، ومن المعرفة قوةً، ومن التواضع رفعةً، ومن خدمة الوطن شرفاً لا تعلو عليه المناصب.

ولم يكن حديثنا عن التبادل الثقافي بين الإمارات ومصر بعيداً عن هذا المعنى؛ فالعلاقات بين البلدين لم تُبنَ على المصالح المشتركة وحدها، بل امتدّت أيضاً جذورها إلى عمق وجدان عربي واحد، أسهمت فيه مصر بتاريخها الأدبي والفكري، وحضرت فيه الإمارات بمشروعها الثقافي ورؤيتها المنفتحة على المعرفة والإبداع.

إن التبادل الثقافي الحقيقي لا يُقاس بعدد الفعاليات والزيارات، وإنما بقدرته على أن يفتح نافذة جديدة للفكر، وأن يمنح الكاتب والمبدع فرصة لعبور الحدود دون أن تغادر كلماته هويتها، وأن يجعل من الأدب لغة مشتركة تتجاوز المسافات والاختلافات.

وغادرتُ سفارة وطني في القاهرة وأنا أحمل تقديراً أكبر للدبلوماسية الإماراتية، واعتزازاً برجال يمثّلون وطنهم بعقولهم قبل مناصبهم، وبقيمهم قبل ألقابهم.

ولعلّ مما بقي في نفسي من ذلك اللقاء أنني كلّما التقيتُ قيادة إماراتية مشرّفة ازددتُ يقيناً بأن أعظم ما تصنعه القيادة الحكيمة ليس ما تشيّده من منجزات فحسب، بل أيضاً ما تتركه من أثر في الإنسان؛ فالأوطان العظيمة لا تكتفي بأن تصنع التاريخ، بل تصنع رجالاً أكفاء وجديرين بحمل اسمها الناصع، وقادرين على الإسهام في المنجزات التي تسطّرها في صفحات التاريخ.