محمد بن راشد... روح دبي وشمسها وقمرها

لكل مدينة روح تمنحها الحياة، وشمس تضيء دروبها، وقمر يرافق أحلامها. أما دبي، فقد اجتمعت فيها هذه المعاني في شخصية قائد جعل من الطموح نهجاً، ومن الإبداع والابتكار رسالة، ومن المستحيل تحدياً لا يعترف به. إنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، روح دبي النابضة، وشمس نهضتها المشرقة، وقمرها الذي لا يغيب عن سماء أحلامها.

في منتصف تسعينيات القرن الماضي، كتبت عن دبي مقالاً حمل عنوان «دبي مركز عالمي ومنطقة حرة»، وكنت يومها أرى في هذه المدينة الساحلية ملامح مشروع استثنائي، يتجاوز حدود المكان وإمكانات الجغرافيا، ويستشرف مستقبلاً مختلفاً. ولم أكن أتصور أن دبي التي عرفتها بالأمس ستصبح بعد ثلاثة عقود واحدة من أكثر مدن العالم تألقاً وإبداعاً.

واليوم، وأنا أتأمل ما بلغته دبي من تقدم وازدهار، أجد نفسي أمام مدينة سبقت الزمن، وحولت الأحلام إلى واقع، والطموحات إلى إنجازات تتحدث عنها الدنيا، حتى غدت تجربتها مصدر إلهام لكثير من المدن والدول التي تتطلع إلى بلوغ ما حققته من تطور وتنظيم ومكانة عالمية.

فمن برج خليفة الذي يعانق السماء، إلى دبي مول، وجزر النخلة، وقناة دبي المائية، وشارع الشيخ زايد الذي تحف به ناطحات السحاب بتصاميمها المبهرة، حتى ليخيل للعابر فيه أنه يسير وسط مشاهد فيلم من أفلام هوليوود، تتجلى أمامنا صورة مدينة لم تعرف المستحيل.

ولطيران الإمارات حكاية نجاح أخرى؛ فقد حمل اسم دبي إلى مطارات العالم، وجعل منها مركزاً عالمياً يربط القارات. أما موانئ دبي العالمية، فقد تجاوزت حدود الإمارة والدولة، وامتدت بإدارتها وتشغيلها للموانئ والمحطات البحرية إلى قارات العالم، حتى أصبح اسم دبي حاضراً في حركة التجارة الدولية.

وشاهداً على قدرتها على إدارة مشروعات كبرى خارج حدودها، ومنافسة أعرق المراكز التجارية والاقتصادية العالمية. ولم تتوقف إبداعات دبي عند العمران والتجارة، بل امتدت إلى ابتكار أساليب جديدة في الإدارة والخدمات، حتى أصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي جزءاً من رؤيتها للمستقبل.

ففي مطار دبي، تختصر البوابات الذكية إجراءات السفر في ثوانٍ، وفي الدوائر الحكومية تتسابق المؤسسات إلى تبسيط المعاملات وتقديم الخدمات الرقمية، لتوفير وقت الإنسان وجهده، وكأن المدينة تريد أن تقول للعالم إن التقدم الحقيقي ليس في ارتفاع الأبراج وحدها، بل في سهولة الحياة وجودة الخدمات واحترام قيمة الوقت.

غير أنني، حين أتأمل هذه المنجزات، لا أرى الأبراج والمطارات والموانئ وحدها، بل أرى خلفها عقلاً يفكر، وإرادة تخطط، وقيادة تنظر إلى المستقبل قبل أن يصل إليه الآخرون. إنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.

لقد ورث عن والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، مدرسة في العمل والبناء واستشراف المستقبل، واستلهم من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حكمة القيادة وروح الاتحاد والإيمان بقدرة الإنسان على صناعة الغد.

فكان امتداداً لمدرسة وطنية عظيمة جعلت من الطموح والعمل والعطاء ركائز لبناء الدولة. وما يميز محمد بن راشد أنه لا يتوقف عند نجاح، ولا يرى في الإنجاز نهاية الطريق، بل بداية لطموح جديد.

فما إن يكتمل مشروع حتى يولد مشروع آخر، وكأن دبي في سباق دائم مع الزمن، لا لتنافس مدن العالم فحسب، بل لتتجاوز ما حققته هي بالأمس، وتثبت أن المستحيل ليس إلا تحدياً ينتظر الإرادة التي تتغلب عليه. ولم تغب الإنسانية عن هذه المسيرة.

فقد امتدت مبادرات محمد بن راشد الخيرية والإنسانية إلى شعوب ومجتمعات عديدة، تحمل الغذاء والدواء والتعليم والأمل إلى المحتاجين، لتؤكد أن عظمة الإنجاز لا تقاس بالمباني والمشروعات وحدها، بل بما تتركه من أثر في حياة البشر.

ولم تكن هذه النهضة بمعزل عن مسيرة دولة الإمارات، التي أرسى دعائمها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وإخوانه المؤسسون، ويواصل قيادتها اليوم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ويقف إلى جانبه أخوه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عضيداً وسنداً، في مسيرة وطنية تتكامل فيها الرؤى والجهود من أجل رفعة الإمارات ومكانتها بين الأمم.

وما يبعث على التفاؤل أن مسيرة دبي تتواصل عبر الأجيال، فها هو سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، وإخوته، يواصلون مع والدهم مسيرة العمل والإنجاز، مستلهمين مدرسته في القيادة والطموح وخدمة الوطن.

لقد عرفت دبي بالأمس، وشهدت تحولاتها على مدى ثلاثة عقود، وأدركت أن المدن لا تصنع عظمتها الأبراج وحدها، بل تصنعها الرؤى التي تقف وراءها، والإرادة التي تحول المستحيل إلى ممكن.

وستبقى دبي في ذاكرتي ووجداني أكثر من مدينة جميلة؛ ستبقى حكاية إرادة صنعت من الصحراء والبحر مدينة تتطلع إليها أنظار العالم، وتجربة تستحق أن تُروى للأجيال القادمة. أما صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فسيبقى روح دبي وشمسها وقمرها، والرجل الذي لم يكتفِ بأن يرى المستقبل، بل مضى ليصنعه.