في دبي، لا تبدو الحكومة مجرد مؤسسات تقدم الخدمات، بل منظومة تسعى باستمرار إلى إعادة تعريف معنى العمل الحكومي. هنا لا يكفي أن تنجز المعاملة بسرعة، بل ينبغي أن نسأل: لماذا احتجنا إلى المعاملة أصلاً؟ ولا يكفي أن نرفع إنتاجية الموظف، بل علينا أن نتساءل: ما القيمة التي أضافها هذا الإنجاز إلى حياة الإنسان؟
هذه الأسئلة تعكس جانباً من فلسفة دبي في التطوير الحكومي؛ فلسفة يمكن وصفها بأنها الانتقال من حكومة الأقوال إلى «دبي الأفعال»، حيث لا تُقاس الطموحات بما يُعلن عنها، بل بما يتحقق منها على أرض الواقع، وما يلمسه الإنسان في تفاصيل حياته اليومية.
ومن هذا المنطلق، جاءت الندوة المعرفية التي نظّمتها الأمانة العامة للمجلس التنفيذي لإمارة دبي بعنوان «الإنتاجية الحكومية وتعزيز الأثر العام»، بمشاركة دائرة الموارد البشرية لحكومة دبي ودبي الرقمية، لتفتح نقاشاً يتجاوز المفهوم التقليدي للإنتاجية، نحو سؤال أكثر عمقاً: كيف نحوّل الموارد والبيانات والقدرات البشرية إلى قيمة عامة مستدامة؟
لقد اعتدنا أن نقيس الإنتاجية بعدد المعاملات المنجزة، وساعات العمل، وحجم المخرجات مقارنة بالموارد المستخدمة. وهذه مؤشرات مهمة، لكنها لا تروي القصة كاملة. فقد تنجز مؤسسة آلاف المعاملات بكفاءة عالية، بينما يبقى المتعامل مضطراً إلى تقديم وثائق متكررة، أو التنقل بين منصات متعددة للحصول على خدمة واحدة.
وهنا تظهر المفارقة: قد ترتفع إنتاجية المؤسسة، دون أن تتحسن بالقدر نفسه تجربة الإنسان.
ما يميز توجه دبي هو السعي إلى تجاوز هذه المعادلة التقليدية. فمن استراتيجية دبي اللاورقية إلى مبادرات الخدمات الحكومية المتكاملة، وصولاً إلى جهود تصفير البيروقراطية، تتجسد فكرة أن التطوير الحكومي لا يعني بالضرورة إنجاز المزيد من الإجراءات، بل التخلص من غير الضروري منها.
فإلغاء إجراء لا يضيف قيمة قد يكون أكثر إنتاجية من أتمتته، وإلغاء طلب وثيقة تمتلكها الحكومة أصلاً قد يكون أكثر أثراً من تطوير منصة جديدة لاستقبالها.
وهذا هو المعنى الأعمق لـ«دبي الأفعال»: أن يتحول الابتكار من شعار إلى ممارسة، ومن مشروع تقني إلى تغيير حقيقي في طريقة عمل الحكومة.
لكن التحول الأكثر أهمية اليوم يرتبط بالانتقال من قياس الإنتاجية إلى قياس الأثر العام. فالإنتاجية تجيب عن سؤال: كم أنجزنا باستخدام مواردنا؟ أما الأثر العام فيطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا تغيّر في حياة الناس نتيجة لما أنجزناه؟
الفرق بين السؤالين ليس لغوياً، بل فلسفي وإداري. فالأول ينظر إلى المؤسسة من الداخل، بينما ينظر الثاني إليها من خلال أثرها في المجتمع.
وهنا يكتسب تطوير نظام قياس إنتاجية الموارد البشرية في حكومة دبي أهمية استراتيجية، خصوصاً مع توظيف البيانات والتحليلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، والتكامل بين دائرة الموارد البشرية ودبي الرقمية. فالغاية ليست إنتاج مؤشرات أكثر، بل بناء فهم أعمق للعلاقة بين المهارات والموارد والمخرجات والنتائج، وتحويل هذا الفهم إلى قرارات أفضل.
غير أن البيانات، مهما بلغت دقتها، لا تصنع التغيير وحدها. فقد نمتلك أفضل لوحات المؤشرات، لكننا نظل أسرى ثقافة إدارية تكافئ كثرة النشاط بدلاً من قيمة النتائج. وقد نستخدم الذكاء الاصطناعي لتسريع إجراءات لم نعد بحاجة إليها.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي ليس في ذكاء الأنظمة، بل في شجاعة المؤسسات على إعادة التفكير في أعمالها.
وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مفهوم «إنتاجية الموظف» إلى مفهوم أوسع هو «إنتاجية المنظومة الحكومية». فالموظف المتميز داخل إجراء معقد قد يحقق نتائج محدودة، بينما يستطيع الموظف نفسه، داخل منظومة مترابطة ومرنة، أن يصنع أثراً مضاعفاً.
وهذا يستدعي إعادة تصميم الوظائف، وتطوير المهارات، وتمكين الموظفين، وإزالة الحواجز بين الجهات، وقياس النتائج المشتركة بدلاً من الاكتفاء بالإنجازات المنفردة.
إن دبي، بما راكمته من تجارب في التميز الحكومي والتحول الرقمي والابتكار، تمتلك فرصة لتعميق هذا التحول، والانتقال من التميز في تقديم الخدمة إلى التميز في صناعة الأثر؛ من حكومة تنتظر طلب المتعامل إلى حكومة تستبق احتياجاته، ومن مؤسسات تقيس أداءها بصورة منفصلة إلى منظومة تقيس القيمة التي تصنعها مجتمعة.
وفي النهاية، لا يسأل الإنسان عن عدد مؤشرات الأداء التي حققتها الحكومة، ولا عن حجم البيانات التي حللتها، بل عن شيء أبسط وأعمق: هل أصبحت حياتي أسهل؟ هل وفّرت الحكومة وقتي؟ وهل أشعر أن الخدمات صُممت من أجلي؟
هنا تتجلى فلسفة «دبي الأفعال Dubai-it»؛ أن تتحول الرؤية إلى نتائج، والنتائج إلى قيمة، والقيمة إلى أثر يشعر به الإنسان.
فالحكومة الناجحة تُنجز، والحكومة المتميزة تُحسّن، أما حكومة المستقبل فتصنع أثراً يتجاوز حدود المؤسسة إلى حياة المجتمع.
وهذا هو الرهان الحقيقي: ألّا نقيس فقط ما أنجزته الحكومة، بل ما أصبح ممكناً للإنسان بفضل ما أنجزته.
كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية

