جواد سالم العريّض..عميد الوزراء المخضرمين في البحرين


في أعقاب انتهاء العلاقات التعاقدية بين البحرين وبريطانيا العظمى في عام 1971، دشنت البلاد مرحلة جديدة من عملية البناء الوطني والتنظيم الاداري للدولة، حيث أصدر أمير البلاد الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، رحمه الله، مراسيم متتالية قضت بتغيير مسمى مجلس الدولة إلى مجلس الوزراء وتغيير مسمى أعضاء مجلس الدولة إلى وزراء، وكذلك تغيير مسمى الدوائر إلى وزارات، وتعيين الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة رئيساً لأول مجلس وزراء في تاريخ البحرين، فقام بتشكيل حكومته الأولى في 15 أغسطس 1971 من عشرة وزراء، انتقاهم ممن توسم فيهم الخير والصلاح والخبرة من أبناء البحرين المتعلمين المخلصين وبعض أبناء الأسرة الخليفية الكريمة الحاكمة.
أحد هؤلاء الوزراء كان الأستاذ جواد سالم العريّض، الذي سنستعرض سيرته ومسيرته في هذه المادة، استناداً إلى ما كُتب عنه في المطبوعات البحرينية المختلفة، ولا سيما كتاب «كنتُ شاهداً على ما حدث»، الذي صدر في 2025 عن مؤسسة الأيام للنشر، وهو كتاب يجمع بين التاريخ الوطني للبحرين والسيرة الذاتية للعريض، من إعداد وتوثيق عباس مزعل والدكتور أحمد سالم العريض، اللذين حاولا أن يخرجا الكتاب بأسلوب أقرب إلى الشهادة الموثقة منه إلى المذكرات الخاصة. ثم كتاب «سالم عبدعلي العريض.. حصاد التجربة والأدوار الصعبة 1902 ــ 1982»، وهو كتاب صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت في سنة 2020 من تأليف الدكتور أحمد سالم العريض ووسام السبع، عن سيرة والد المترجَم له.
لم يكن العريض فقط من أوائل رجالات الدولة الذين اعتمد عليهم الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، رحمه الله، في بناء الدولة الوطنية وأجهزتها الحكومية، ولم يكن ممن خدموا الوطن من خلال الحقائب والمسؤوليات الرسمية المختلفة التي أسندت إليه منذ ستينات القرن العشرين فحسب، وإنما كان أيضاً صوت البحرين الرصين الهادئ، وخزينتها القانونية والمعرفية في جلسات المجلس التأسيسي الذي وضع أول دستور عصري للبحرين في عام 1972، ثم في جلسات أول برلمان وطني منتخب في عام 1973. حيث كان العريض عضواً في المجلسين بحكم منصبه الوزاري، فأبلى بلاء حسناً في مداخلاته وتعقيباته.
كتب عنه الصديق الأستاذ محمد بن دينة بجريدة الأيام البحرينية (8/5/2010) تحت عنوان «عندما يجسد العريض مقولة الملك (حلمت بوطن)» فقال ما مفاده أن العريض عرف بأنه «مُقلّ في التصريحات الصحافية والظهور في وسائل الإعلام رغم أنه أمضى أكثر من أربعة عقود في العمل الرسمي الحكومي، فهو لا يزال يحمل قناعة تامة بضرورة (العمل في صمت)، رغم أنه ترك بصمات واضحة إزاء المسؤوليات التي أوكلت إليه أو أشرف عليها».
وتطرق بن دينة إلى كتاب ألفه العريض بعنوان «خط تحت الماء»، رسم فيه «خريطة مصغرة للشرق الأوسط وشؤونه السياسية التي تعج بالكثير من المشكلات الإقليمية والنزاعات الحدودية، ومن بينها النزاع بين البحرين وقطر والذي نظرته وفصلت فيه محكمة العدل الدولية بشأن إقليم الزبارة وجزر حوار. فقال: «إن الكتاب يُعتبر وثيقة لتاريخ هذا الخلاف وجذوره، خاصة أنه يتضمن عرضاً للمسائل التاريخية والدلائل المحيطة بالنزاع. وقد ركزت مقدمة الكتاب على تحليل طبيعة النزاع وما بُذل من جهود لتسويته، فيما خُصصت أجزاؤه الأربعة للتفاصيل، خاصة من المنظور التاريخي للنزاع من خلال تاريخ العائلات الحاكمة وحدود سلطاتهم في الإقليم، ونفوذ القوى الأجنبية في الخليج على نشأة الكيانات السياسية في البحرين وقطر. أما الجزء الرابع، فقد تضمن سبل حل النزاع والجهود العديدة لحله ووساطات مجلس التعاون الخليجي، ومراحل ووقائع ونظر الدعوى أمام محكمة العدل الدولية.. كما ألقى هذا الجزء نظرة على أهمية الحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية في 16 مارس 2001م».
وُلد جواد سالم عبدعلي محمد العريض في عام 1940 في قلب المنامة القديمة التي وصفها بأنها «مدينة تتجاور فيها الثقافات والأديان والمذاهب، وتتعانق فيها الأصالة بالتنوّع»، مضيفاً: «في المنامة ترى المتناقضات وتعيش بينها،... ترى المثقف صاحب الشهادات الذي يتقن بعض اللغات، والأمي، الذي بالكاد يعرف أن بين يديه حبراً على الورق، وليس نقشاً على حناء، وفيها الطقوس الدينية والخطباء والعلماء والمجالس، كما فيها المسيحيون واليهود والبهرة والبهائيون».
في هذه البيئة التعددية، نشأ صاحبنا ابناً لوالده سالم عبدعلي محمد العريض، الذي مثّل ظاهرة فريدة ومثيرة ومتميزة في طبيعته الشخصية المعجونة بروح التحدي والمثابرة والطموح وفي أسلوب عمله بالمواقع المهنية التي شغلها. إذ إنه ولد في بومباي في عام 1902 لأسرة بحرينية عربية كريمة، ودرس بها كل مراحله الدراسية حتى نال شهادة الحقوق التي أهلته لممارسة مهنة المحاماة أمام المحاكم الهندية زمن الهند البريطانية، ولهذا يوصف سالم العريض (والد المترجم له) بأنه «من طلائع المثقفين البحرينيين الذين حملوا مشاعر التنوير الثقافي في أكثر من موقع، وأسهموا بقسط وافر في دعم الانطلاقة الطموحة للتعليم النظامي في البحرين، وإرساء النهضة الإدارية الحديثة فيها» بحسب كلام المؤلف وسام السبع. وحينما عاد إلى البحرين في عام 1927، عمل في الجمارك، ثم انتقل للعمل كمعلم للرياضيات واللغة الإنجليزية بالمدرسة الجعفرية بالمنامة (تغير اسمها إلى المدرسة الغربية ثم إلى مدرسة أبوبكر الصديق)، قبل أن يختتم حياته المهنية الطويلة مديراً للمحاكم البحرينية، وهو الموقع الذي قدم فيه خلاصة خبرته القانونية، مظهراً درايته العميقة بالتطبيقات العملية للأحكام الإسلامية في الهند البريطانية والخليج العربي.
وتعود أصول عائلة العريض، التي ينحدر منها المترجم له إلى عشيرة العريض العربية التي استمدت اسمها من منطقة تمتد من موقع بالقرب من المدينة المنورة إلى منطقة العارض النجدية. وطبقاً لبعض المصادر، مثل كتاب «بحر الأنساب المحيط» لمحمد بن أحمد بن عميدالدين النجفي، فإن العائلة هاجرت إلى العراق في زمن الفتن والاضطرابات، واستقرت في النجف واشتغلت بالتجارة، قبل يقرر قسم منها الانتقال إلى البحرين، وقسم آخر العودة إلى السعودية. وكان أول من جاء منهم إلى البحرين وسكن منطقة الحورة هو الشيخ محمد العريض، وذلك في عام 1686م. وقد أنجبت العائلة للبحرين العديد من أعلامها ومنهم، إضافة إلى المترجم له ووالده، الشاعر الكبير إبراهيم عبدالحسن العريض، رحمه الله، وابنته الشاعرة ثريا العريض (عضو مجلس الشورى السعودي سابقاً)، ونجله الراحل الدكتور جليل العريض (نائب رئيس جامعة البحرين الأسبق للشؤون الأكاديمية)، والتاجر الحاج منصور العريض الذي يعد من وجوه مدينة المنامة التاريخيين ومن رواد تجارة اللؤلؤ في أوائل القرن العشرين، والرسام التشكيلي الراحل عبدالكريم علي العريض.
تلقى جواد سالم العريض تعليمه الابتدائي في أربعينات القرن العشرين بالمدرسة الغربية في المنامة، وقت أن كانت تحت إدارة المربي حسن جواد الجشي، ثم أكمل مرحلته الثانوية في ثانوية المنامة التي تأثر فيها بمعلميه المصريين. ولعل هذا ما جعله يختار جامعة القاهرة مكانا لدراسته الجامعية، التي انتهت بحصوله على ليسانس اللغة الانجليزية وآدابها. بعدها سافر العريض إلى المملكة المتحدة لدراسة القانون تأسياً بوالده، فحصل على شهادة عليا في القانون من جامعة ليدز البريطانية.
أخبرنا العريض أن وعيه تشكل مبكراً، وقبل أن يسافر إلى الخارج، بسب مرافقته الدائمة لوالده إلى الأنشطة الثقافية والرياضية التي كانت تقيمها أندية المنامة، ناهيك عن اهتمام أسرته بتوجيه أبنائها وبناتها إلى القراءة والإطلاع والبحث باستمرار. ويقول أن ذلك كان سبباً من أسباب تعلقه بهوايات عديدة رافقته طوال حياته، كالتصوير والرسم والموسيقى. وعن أبيه قال: «كان أبي عماد البيت وعمود خيمته»، وأضاف أنه كان محباً للعلم والثقافة، وصارماً وحنوناً في وقت واحد، وكان مرجعاً له في كل كبيرة وصغيرة.
قلنا إن جواد سالم العريض هو أول من تولى حقيبة العمل والشؤون الاجتماعية في البحرين في التشكيل الوزاري الأول سنة 1971، بعد أن كان رئيساً لدائرة العمل والشئون الاجتماعية في مجلس الدولة الذي كان بمثابة السلطة التنفيذية في المرحلة الانتقالية قبيل الاستقلال. وشغل العريض قبل أن يترأس دائرة العمل منصب المدعي العام بوزارة العدل في الفترة من 1969 إلى 1970 بسبب خلفيته القانونية، فكان أول بحريني يتولى هذا المنصب في تاريخ البحرين. ولهذا يصف وزارة العدل بأنها مدرسته الأولى التي كونت شخصيته الإدارية والقانونية، ويقول: «بدأت مسيرتي العملية في وزارة العدل وهي أولى المحطات التي تعلمت فيها أن العدالة ليست مجرد نصوص، بل ممارسة يومية تتطلب النزاهة والانضباط. كان عليّ أن أتعلم كيف يدار القانون لا كيف يُقرأ فقط، وكيف يكون القرار منصفاً قبل أن يكون نافذاً».
بعد انتخابات المجلس الوطني في ديسمبر 1973، تقدمت الحكومة باستقالتها بموجب القواعد الديمقراطية والدستورية المعمول بها، وتم تشكيل حكومة جديدة. في هذه الحكومة أُسند للعريض منصب وزير الدولة لشئون مجلس الوزراء بدلاً من حقيبة العمل والشئون الاجتماعية التي ذهبت إلى الأستاذ إبراهيم محمد حميدان. وفي التشكيل الوزاري الثالث في عام 1975 حافظ العريض على منصبه، لكنه انتقل في تعديل وزاري أُجري في 14 فبراير 1982 إلى منصب وزير الصحة خلفاً للدكتور علي محمد فخرو الذي اختير لشغل حقيبة التربية والتعليم، وظل كذلك حتى 26 يونيو 1995 حينما تشكلت وزارة جديدة، عُهد فيها إليه بمنصب وزير الدولة فيما ذهبت حقيبة الصحة إلى الدكتور فيصل رضي الموسوي. وفي 17 أبريل 2001 أسند إليه منصب وزير الدولة لشؤون البلديات وشؤون البيئة، وهو المنصب الذي ظل ممسكاً به حتى 11 نوفمبر 2002 حينما كلفه رئيس مجلس الوزراء بحقيبة العدل خلفاً للشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة. وظل يشغل هذه الحقيبة إلى جانب منصب مستشار رئيس الوزراء للشؤون القانونية حتى 11 ديسمبر 2006، وهو تاريخ توليه أعلى مناصبه، وهو منصب نائب رئيس مجلس الوزراء حتى 13 يونيو 2022، حيث خلفه في هذا المنصب الشيخ خالد بن عبدالله آل خليفة.
في حياة العريض محطات كثيرة من العمل الوطني والتفاني في خدمة وطنه وأهله وناسه، لكن هناك محطتان جديرتان بالإشارة. المحطة الأولى كانت في عام 1971، حينما إختاره رئيس الوزراء الراحل الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة ليسافر إلى نيويورك ممثلا عن دولة البحرين ليقدم إلى الأمين العام للأمم المتحدة السيد يوثانت طلبا بالإنضمام إلى هيئة الأمم المتحدة. وقد سافر العريض وقدم الطلب إلى يوناثت يوم 15 اغسطس 1971، لتصدر الجمعية العامة للأمم المتحدة في جلستها رقم 1934 بتاريخ 12 سبتمبر 1971 قرارا بالإجماع بالموافقة على عضوية البحرين في الأسرة الدولية، ولترفع علم البحرين أمام مبنى هيئة الأمم صبيحة 23 سبتمبر 1971. ومن المهم هنا التذكير بأن اختيار العريض لهذه المهمة الوطنية كانت بسبب ثقة الدولة بشخصه وعلمه وخبرته وإخلاصه. وعن هذه المحطة في مسيرته كتب قائلا: «عندما شاركت في تقديم أوراق انضمام البحرين إلى الأمم المتحدة شعرت أن تلك اللحظة كانت ميلادا دبلوماسيا للدولة الجديدة، وامتدادا طبيعيا لنضوجها القانوني».
أما المحطة الثانية فقد كانت قيادته للفريق القانوني البحريني أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي وقت النظر في قضية النزاع الحدودي بين البحرين وقطر سنة 2000، والتي انتهت بحكم نهائي في 16 مارس 2001. وحول هذه المحطة قال العريض: «تشرفت برئاسة الفريق القانوني البحريني أمام محكمة العدل الدولية».
ونختتم بالإشارة إلى أن العريض بعد تركه المناصب الرسمية، تفرغ للعمل العام الذي تجسد خير تجسيد في قيامه بالإشراف على تصميم وتنفيذ صرح الميثاق الوطني بتكليف من صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين.