وهو ما يسمّيه صاحب السمو بقرن الألم، حيث مرّت الصين بمرحلةٍ تكالبت فيها عليها الأعداء من كلّ حدبٍ وصوبٍ وتمّ استعمارها وتركيعها ضمن مؤامرةٍ قامت بها مجموعة من الدول الكبرى كما سيأتي بيانه فيما نستقبل من هذه الكلمة الّتي تحاول إضاءة هذا الدرس الثمين من دروس هذا الكتاب الشاهد على هذا العصر، المشتمل على الكثير الكثير من الدروس والعِبَر الّتي تستفيد منها جميع الأجيال وهي تستلهم دروس هذا المعلِّم الكبير الذي ما زال يحمل أمانة النُّصح والإرشاد لأبناء هذا الوطن الطيّب الأصيل.
لكنّ العزاء في كلام صاحب السمو هو إشارته إلى اليقظة الروحيّة والثقافيّة لدى الصينيين الّذين لم ينسوا هذه المرحلة المؤلمة من تاريخ بلدهم، وكيف أنّهم يعملون على حفرها في الذاكرة لكي تظلّ الأجيال متوقّدة الذاكرة رافضةً لتكرار هذه المرحلة الجارحة للقلب، رافضةً لكلّ الظروف الّتي قد تؤدِّي إلى الرجوع إلى تلك الذكرى المؤلمة.
الأمر الّذي أدّى إلى حصول عجزٍ تجاريٍّ كبير لدى بريطانيا الّتي كانت تدفع للصين بعملة الفضّة مقابل السِّلع الصينيّة، مما خلق حالة من الضيق والقلق والشعور بالغُبن لدى النخبة السياسيّة في بريطانيا الّتي بدأت تبحث عن حلٍّ اقتصاديّ لهذه المعضلة، وتفتّق الدّهاءُ الإنجليزي عن ضرورة إغراق الصين بالأفيون الّذي كانت تنتجه جارتها الهند حين كانت تحت السّيطرة البريطانيّة، فكان الأفيون هو السلعة الجديدة التي أغرقت الأسواق الصينيّة بطريقة غير قانونيّة مما أدّى إلى حالة إدمان لدى الشعب الصيني الّذي كان يدفع الفضّة في مقابل الحصول على الأفيون.
واستولت على هونغ كونغ، وأجبرت الصين على توقيع معاهدة استسلام تُفتح بموجبها الموانئ الصينيّة لاستيراد الأفيون، ومواصلة التجارة غير القانونيّة بل وصل الأمر في الإذلال إلى حدّ دفع تعويضاتٍ ماليّةٍ ضخمة لبريطانيا، مما شكّل شرخًا وجرحًا عميقًا في الكبرياء الصينيّ بحسب عبارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الّذي يقرأ هذا الحدث بروح التعاطف مع الطرف المظلوم.
حيث اشتركت بريطانيا وفرنسا في هذه المرّة في غزو الصين، حيث تذرّعتا بحادثةٍ هامشيّةٍ تمثّلت في مصادرة السُّلطات الصينيّة لسفينةٍ تجاريّةٍ صغيرة اتّهمتها السلطات الصينيّة بالقرصنة وكانت تحملُ العلَم البريطاني.
فاعتبرت بريطانيا أنّ في مصادرة هذه السفينة انتهاكًا لكرامتها السياسيّة، فقامت هذه الحرب الّتي كانت نتيجتها سيطرة كاملة على التجارة وعلى جميع المواقع الاستراتيجية في الصين مع دفع تعويضاتٍ ضخمة أثقلت كاهل الصين، مع حرق القصر الامبراطوريّ الّذي هو أحد الرموز الثقافيّة الكبرى في الحضارة الصينيّة.
فازداد الإحساسُ بالجرح والشّرخ داخل الروح الصينيّة المكلومة، ثم ازدادت الأمور سوءًا حين قامت اليابان بغزو الصين عام 1931م، وبلغ الغزو ذروته عام 1937م، حيث شهدت هذه الحرب واحدة من أبشع مجازر الحروب، حيث ذهب مئات الآلاف من الصينيين كضحايا لهذه الحرب الّتي عمّقت الإحساس بالذُّلِّ داخل الروح الصينية، وزاد معها نزيف الكبرياء الوطني.
وانطلق معه عصر الصين في خطواتٍ واثقة نحو موقعها الصحيح بين القوى العالميّة الكبرى، فضلاً عن موقعها الاقتصاديّ المتقدّم الّذي أصبحت تنافس من خلاله الغرب المتقدّم الّذي يراقبُ بغير قليلٍ من الحذر صعود الصّين العظيم في جميع مجالات الحياة.
ولذلك ذكر كلمةً عميقة التأثير للرئيس الصيني الحالي شي جين بينج يقول فيها: «نسيان التاريخ خيانة» ولعُمق هذه الكلمة وصدقها تمّ جعلُها عنوانًا لهذه المقالة الّتي تضيء هذا الدرس العميق من دروس كتاب «علّمتني الحياة».
وكيف يمكن أن نستثمر ذاكرتنا التاريخيّة للعودة من جديد واستئناف حضارتنا ؟» ليكون هذا السؤال العميق تجسيدًا وتعبيرًا عما يحمله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من هموم هذه الأمّة الّتي ينتمي إليها بقلبٍ لا يعرفُ إلا الحُبّ والوفاء لتاريخها الحضاريّ العظيم.