كعادتها مدينة الألف مئذنة كانت هي الرائدة في ابتكار العديد من المظاهر الاحتفالية الفلكلورية، من بينها "مدفع رمضان"، وهي الوسيلة الهادفة؛ لتنبيه الصائمين إلى موعد الإفطار، وعرفت مصر هذا الطقس أول مرة في عهد السلطان المملوكي خشقدم الذي كان قد وصله مدفعٌ جديدٌ قام بتجريبه وقت أذان المغرب في أحد أيام رمضان، فظن الناس أنها وسيلة جديدة ابتكرها السلطان خصيصا؛ لتنبيههم بموعد الإفطار فذهبوا إلى قصره؛ ليشكروه، وهو ما أسعد السلطان، وقرر أن يكون هذا الأمر عادةً ومظهرًا رمضانيًا، ثم أضاف بعد ذلك مدفعًا للسحور والإمساك.
وتشير رواية أخرى إلى أن بداية عهد الناس بمدفع الإفطار تعود إلى عصر الخديوي إسماعيل، وقد جاء الأمر أيضا مصادفة، فكان الجنود يقومون بتنظيف المدافع فخرجت من أحدهم قذيفة دوت في سماء القاهرة، وتصادف خروجها وقت أذان المغرب ساعة الإفطار، وهو ما ظنه المصريون تقليدًا جديدا اتبعه الخديوي، وصاروا يتحدثون في ذلك حتى سمعت به ابنة الخديوي إسماعيل سمو الأميرة فاطمة، فأصدرت فرمانا يقضي باستخدام هذا المدفع عند الإفطار والإمساك وفي الأعياد الرسمية، وتم الاستقرار على وضع المدفع في مكان مرتفع، وتم اختيار جبل المقطم؛ ليصل صوته لأكبر مساحة في القاهرة إلى جانب مدفع القلعة، وهناك العديد من الروايات التي تتفق في مجملها على شيء واحد أن نشأة هذا التقليد الرمضاني كانت في مصر.
أخذت هذه الفكرة تنتشر في كافة أنحاء العالم الإسلامي، فظهرت في القدس ودمشق وبغداد أواخر القرن التاسع عشر، ثم انتقلت إلى الكويت عام 1907 وإلى كافة دول الخليج والعديد من الدول الإفريقية بعد ذلك.
هذا الطقس الرمضاني الذي ارتبط في أذهان من استمعوا إليه بروحانيات الشهر الكريم يرسم دوي صوته الفرحة والابتسامة على شفاه الصائمين غاب منذ وقت طويل صوته، ولم يسمع عنه الجيل الجديد سوى في الحكايات وصوره على القنوات الرسمية والفضائية قبل أذان المغرب يصاحبها جملة "مدفع الإفطار.. اضرب" هذه الجملة التي ينتظرها الصائم بشغف، ويردد معها الأدعية طالبًا من الله أن يتقبل عمله وصيامه، كل هذا أصبح تراثًا يذكر بجمال التاريخ والزمن الجميل.
وكان خوف هيئة الآثار المصرية على منطقة القلعة وما يحيط بها من آثار إسلامية أثر كبير في إيقاف هذه العادة الرمضانية، حيث أكدت الهيئة أن الاهتزازات الناجمة عن هذا الصوت المتكرر ستؤثر على العمر الافتراضي لهذه الآثار، فطلبت في بداية التسعينات من وزارة الداخلية وقف إطلاقه من القلعة، ويُرجع البعض غياب هذه العادة الآن أيضا إلى كثرة الوسائل التي يعلم بها الصائم موعد الإفطار والإمساك عن الطعام والشراب فقد أصبح من السهل أن ينظر كل منا إلى ساعة يده أو ساعة الحائط؛ ليحدد وقت المغرب والفجر إلى جانب وجود العديد من المساجد التي تستخدم كلها مكبرات الصوت وقت الأذان، ولم يعد هناك بيت يخلو من التلفاز الذي يذيع الأذان، ورغم كل هذا إلا أن مدفع رمضان له رونق وسحر خاص لا يمكن أن ينساه من سمعه، فسيظل المدفع موجودًا في الذاكرة الشعبية للعالم الإسلامي.

