أزمة مبابي في الصين تكشف الثمن الباهظ لتجاوز الخطوط الحمراء

أزمة مبابي في الصين تكشف الثمن الباهظ لتجاوز الخطوط الحمراء
أزمة مبابي في الصين تكشف الثمن الباهظ لتجاوز الخطوط الحمراء

جسّد التراجع السريع في شعبية مهاجم ريال مدريد كيليان مبابي داخل الصين، عقب تعليقاته بشأن ماو تسي تونغ، نموذجًا بات مألوفًا في البلاد، يتمثل في موجة غضب إلكترونية، وانسحاب الرعاة، وقيود على المنصات الرقمية، يعقبها في كثير من الأحيان تدخل رسمي.

ففي غضون 24 ساعة فقط من تداول مقطع من بودكاست أشار فيه قائد المنتخب الفرنسي إلى ماو تسي تونغ بوصفه «دكتاتورًا صينيًا»، سارعت عدة جهات راعية، من بينها شركتا الألبان منغنيو وشنغهاي ميلك جراوند فود تك، وشركة إيستروك لمشروبات الطاقة، إلى إنهاء شراكاتها مع اللاعب.

كما أزال تلفزيون الصين المركزي الإعلانات المرتبطة بمبابي، بينما فرضت منصات التواصل الاجتماعي الصينية قيودًا على الوصول إلى حساباته. وسارع اللاعب، من جانبه، إلى الاعتذار أمس الثلاثاء، واصفًا تصريحاته بأنها «غير موفقة».

وبالنسبة للشركات والعلامات التجارية والمشاهير العاملين في الصين، فإن هذا المسار يبدو مألوفًا للغاية. ويرى محللون أن الواقعة تمثل تذكيرًا جديدًا بالمخاطر التجارية التي لا تزال تلازم العمل في السوق الصينية، رغم سنوات من الحوادث المماثلة.

فقد تعرضت شركات وعلامات تجارية عالمية مرارًا لعواصف من الانتقادات في الصين، بدءًا من إلغاء عرض «دولتشي آند جابانا» في شنغهاي عام 2018، مرورًا باعتذارات «فيرساتشي» و«ديور» و«كوتش» في العام التالي، وصولًا إلى حملات المقاطعة التي استهدفت «إتش آند إم» و«نايكي» و«أديداس» بسبب قضية قطن شينجيانغ، فضلًا عن الخلاف الذي اندلع بين دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين وتلفزيون الصين المركزي، عقب دعم أحد مسؤولي هيوستن روكتس للاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في هونغ كونغ.

ورغم اختلاف الوقائع، فإن آلية التصعيد تكاد تكون واحدة: تصريح أو صورة أو تعليق ينتشر على نطاق واسع عبر الإنترنت، يتبعه ضغط متزايد على الشركاء التجاريين لاتخاذ موقف، قبل أن تتجاوز الخسائر الناجمة عن الأزمة، في كثير من الأحيان، حجم الواقعة الأصلية نفسها.

وقال مايكل ماكريتشي، مؤسس مجموعة «إم جي آي» المتخصصة في ربط المشاهير العالميين بالعلامات التجارية الصينية: «لست مضطرًا إلى التفكير كالصينيين كي تنجح في الصين، لكن عليك أن تفهم كيف يمكن أن يتفاعل الجمهور الصيني، وما قد يترتب على تجاهل الحساسيات الثقافية أو غياب قدر كافٍ من الانضباط الذاتي».

مسألة احترام

ويبقى السؤال المحوري في مثل هذه الأزمات: إلى أي مدى تعكس ردود الفعل غضبًا شعبيًا حقيقيًا، وإلى أي مدى يجري تضخيمها عبر وسائل الإعلام الرسمية والمنصات الرقمية والجهات الحكومية؟

وتبرز قضية مبابي صعوبة الفصل بين الأمرين. فمع تصاعد الجدل، أصبح الوصول إلى التصريحات الأصلية المتعلقة بماو محدودًا على الإنترنت الصيني الخاضع لرقابة صارمة. ونتيجة لذلك، لم يتعرف كثير من المستهلكين على ما قاله اللاعب بقدر ما تابعوا الأخبار المتعلقة بتخلي الرعاة عنه وانتقادات وسائل الإعلام الرسمية له.

وقال مارك دراير، المحلل الرياضي ومؤلف كتاب «القوة العظمى الرياضية» حول طموحات الصين الرياضية: «ما شهدناه في هذه الحالة كان، إلى حد ما، شكلًا من الغضب المصطنع».

ومع ذلك، حذر دراير من التقليل من شأن مثل هذه التفاعلات، مشيرًا إلى أن الدوريات والأندية والرياضيين لا يستطيعون تجاهل التداعيات المحتملة لهذه الأزمات.

وأضاف: «لا يمكن أن يُنظر إلى الأندية أو الاتحادات على أنها تملي على لاعبيها ما ينبغي قوله أو تجنبه بشأن الصين. لكنني على يقين من أنه خلف الكواليس يُطلب من الجميع التحلي بالحذر وإدراك أن مثل هذه الردود يمكن أن تحدث».

من جانبه، رأى زاك ديشتوالد، مؤسس شركة «بريدج ووركس جلوبال» للاستشارات، أن مثل هذه الأزمات، رغم تكرارها، تبقى قابلة للتجنب.

وقال: «إذا كنت تعمل في السوق الصينية، فمن المتوقع أن تُظهر احترامًا للرواية التي تقدمها الصين عن نفسها، وأن تمتلك فهمًا أساسيًا لها. وينبغي أن يشكل الوعي بالخطوط الحمراء جزءًا أساسيًا من هذا الفهم».

غير أن التحدي يكمن في أن الخطوط الحمراء السياسية والثقافية في الصين، رغم أنها معروفة بصورة عامة، نادرًا ما تكون محددة بشكل واضح. وغالبًا ما يدفع هذا الغموض الشركات والشركاء التجاريين إلى الابتعاد سريعًا عن الشخصيات المثيرة للجدل قبل اتضاح حجم المخالفة أو أبعادها بالكامل.

وقال وي كان، مؤسس شركة «كوندويت آسيا للاستشارات»: «لا توجد قاعدة مكتوبة تحدد بدقة ما الذي يُعد تجاوزًا للخط الأحمر». وأضاف أن حدود هذا الخط تتغير تبعًا «لمزاج المستهلكين، والأجواء العامة في المجتمع، ومدى تضخيم المنصات ووسائل الإعلام للقضية».

وبالنسبة للشركات الأجنبية، لم تعد الحساسيات الصينية مفاجئة كما كانت في السابق. ومع ذلك، يرى محللون أن المخاطر السياسية والثقافية لا تزال تُعامل في كثير من الحالات باعتبارها قضية ثانوية، لا كجزء من المخاطر التجارية اليومية التي ينبغي إدارتها باستمرار.

وأشار ماكريتشي إلى أن شركته تُدرج بنودًا تتعلق بالسلوك والسمعة في عقود الترويج، بينما يؤكد آخرون أن الإحاطات الخاصة بالسوق والتدريب الإعلامي وخطط إدارة الأزمات لم تعد مجرد إجراءات احترازية، بل أصبحت ضرورة أساسية.

ويلخص ديشتوالد الأمر بقوله: «عندما تسير الأمور على ما يرام، يحتفل الجميع. أما عندما تخطئ في التعامل مع الصين، فقد يكون العقاب سريعًا ومكلفًا ومؤلمًا للغاية».