حين تطير كرة كأس العالم في الملعب، لا يفكر المشجع عادة في طبقاتها. يرى التسديدة، دوران الكرة، قفزة الحارس، وصوت الشباك. لكن خلف هذه اللحظة السريعة توجد صناعة طويلة: مواد متقدمة، مختبرات، اختبارات طيران، طبقات مقاومة للماء، وسطح مصمم كي يجعل الكرة أكثر ثباتاً في الهواء وأكثر دقة عند اللمس.
وهنا تظهر حكاية إماراتية غير متوقعة، شركة «كوفيسترو»، إحدى كبرى شركات المواد المتقدمة في العالم، طورت ووردت مواد تدخل في كرات «أديداس» لأكثر من 30 عاماً. واليوم، بعد دخولها ضمن «إكس آر جي» الإماراتية، أصبحت هذه القصة أقرب إلى الإمارات: بصمة من أبوظبي داخل واحدة من أكثر الكرات مشاهدة في العالم.
كرة عالمية
منذ 1970، أصبحت «أديداس» المورد الرسمي لكرات كأس العالم، بدءاً من كرة «تلستار» الشهيرة ذات 32 لوحة باللونين الأبيض والأسود. ومنذ ذلك الوقت، لم تعد كرة المونديال مجرد جلد وخياطة، بل تحولت إلى منتج هندسي يتغير تقريبًا مع كل بطولة.
القصة الإماراتية تبدأ من المواد. في كرات المونديال الحديثة، لا يتعلق الأداء بالشكل الخارجي فقط، بل بما يوجد تحت السطح: طبقات تمنح الكرة مرونة، وتحافظ على شكلها، وتقاوم الماء والاحتكاك، وتساعدها على الطيران بثبات أكبر.
في كرة «تلستار 18»، أوضحت «كوفيسترو» أن الغلاف الخارجي استخدم أقمشة مطلية بالبولي يوريثان. والبولي يوريثان مادة صناعية مرنة ومتينة، تدخل في منتجات كثيرة لأنها تجمع بين الخفة والقدرة على التحمل. في حالة كرة القدم، تساعد هذه المادة على جعل السطح قوياً بما يكفي لمقاومة التسديدات والاحتكاك، ومرنًا بما يكفي للحفاظ على الإحساس المطلوب عند اللمس.
وتعتمد الكرة أيضاً على مواد لاصقة متخصصة، تساعد على تثبيت طبقات الغلاف الخارجي معاً، ومقاومة الماء، والحفاظ على مرونة الكرة واستعادة شكلها بعد التسديد. وتشرح «كوفيسترو» أن إحدى الطبقات الداخلية قد تكون رغوة من البولي يوريثان بسماكة تقارب 1 مليمتر، تحتوي على ملايين الفقاعات الغازية الدقيقة. هذه الطبقة تساعد الكرة على العودة بسرعة إلى شكلها الكروي بعد الضغط عليها بالقدم.
ملكية إماراتية
في ديسمبر 2025، أعلنت «إكس آر جي» إتمام الاستحواذ على «كوفيسترو»، مع زيادة رأسمالية بقيمة 1.17 مليار يورو لدعم ميزانية الشركة واستراتيجيتها المستقبلية. وبهذا، دخلت الإمارات مساحة أعمق من سلاسل الصناعة العالمية.
قد لا يظهر اسم الإمارات على سطح الكرة. لكنه موجود في القصة التي لا يراها الجميع: قصة المادة، والابتكار، والصناعة التي تقف خلف لحظة الهدف. «كوفيسترو» تنتج مواد تدخل في السيارات الكهربائية، والهواتف الذكية، والإلكترونيات، والبناء، والرياضة. ومع «إكس آر جي»، يصبح هذا الامتداد جزءًا من توجه إماراتي أوسع نحو الصناعات المتقدمة والكيميائيات والحلول الصناعية.
القصة لا تعني أن الكرة «إماراتية» بالكامل، ولا أن «كوفيسترو» تصنع الكرة وحدها. «أديداس» هي صاحبة التصميم والإنتاج الرياضي الرسمي. لكن المواد المتقدمة التي طورتها «كوفيسترو» كانت جزءًا من تاريخ كرات «أديداس» لأكثر من 3 عقود، وهذه الشركة أصبحت اليوم ضمن مظلة إماراتية.
لذلك، حين نشاهد كرة المونديال تتحرك بين أقدام اللاعبين، يمكن أن نراها بطريقة مختلفة. هناك تصميم ألماني، وبطولة عالمية من 48 منتخباً في 2026، وثلاث دول مضيفة، وتقنية متصلة، ومواد متقدمة، واستثمار إماراتي في قلب السلسلة الصناعية. وفي كرة القدم، كما في الاقتصاد، ليست كل البصمات تُكتب على الواجهة. بعضها يختبئ في الطبقة التي تجعل الحركة ممكنة.
