ملايين من محاولات الاختراق بعد اكتشاف خلل في لغة «PHP» المستخدمة في نحو 70% من المواقع
دفعت ثغرتان أمنيتان خطيرتان في لغة البرمجة «PHP»، المستخدمة على نطاق واسع في تشغيل المواقع الإلكترونية، حكومات وشركات حول العالم إلى تعليق بعض خدماتها الرقمية مؤقتاً، وسط تحذيرات من إمكانية استغلال الثغرتين للسيطرة على خوادم المواقع وسرقة بياناتها، فيما رصدت شركة «كلاودفلير» ملايين محاولات الهجوم خلال ساعات من الكشف عن المشكلة.
وصدرت التحذيرات عقب اكتشاف ثغرتين تحملان الرمزين «CVE-2026-109618» و«CVE-2026-109619»، ويُشار إليهما باسم «PHP2SHELL»، وتسمحان، في ظروف معينة، للمهاجمين بتنفيذ تعليمات برمجية على الخوادم المتأثرة عن بُعد، دون الحاجة إلى تسجيل الدخول أو امتلاك بيانات اعتماد.
وأعلنت مؤسسة «PHP» إصدار تحديثات أمنية طارئة في 21 أكتوبر، لمعالجة الثغرتين اللتين حصلت كل منهما على درجة خطورة تبلغ 9.2 من أصل 10 وفق مقياس تقييم الثغرات الأمنية «CVSS» بإصداره الرابع.
وتكمن خطورة المشكلة في أنها تصيب مكونات أساسية في محرك تشغيل اللغة نفسه، وليس تطبيقاً أو موقعاً محدداً، ما قد يعرض أنظمة متعددة للخطر حتى في الحالات التي لا تتضمن فيها التطبيقات أخطاء أمنية مباشرة.
انتشار واسع وتعطيل للخدمات
تُستخدم «PHP» في تشغيل نحو 69% من المواقع التي أمكن تحديد لغة البرمجة المستخدمة في خوادمها، وفقاً لبيانات موقع «W3TECHS» المتخصص في إحصاءات تقنيات الإنترنت.
وتعتمد عليها أنظمة واسعة الانتشار لإدارة المحتوى، بينها «ووردبريس» و«دروبال» و«جوملا»، ما يوسع نطاق الأنظمة التي تحتاج إلى مراجعة أمنية وتحديثات عاجلة.
لكن استخدام «PHP» لا يعني بالضرورة أن جميع هذه المواقع قابلة للاختراق، إذ يتوقف مستوى الخطر على إصدار البرنامج المستخدم، وطريقة تشغيله، وتثبيت التحديثات الأمنية.
وذكرت رويترز أن مؤسسات حكومية وشركات في أوروبا وآسيا أوقفت خدمات إلكترونية بصورة احترازية، شملت مواقع حكومية وخدمات مصرفية ونقل واتصالات.
وفي اليابان، علقت مؤسسات من بينها مجموعة «ميتسوبيشي يو إف جي» المالية وشركة الطيران «أول نيبون إيروايز» وبعض خدمات السكك الحديدية خدمات عبر الإنترنت، فيما اتخذت وزارتا المالية وهيئة الأرصاد الجوية إجراءات مماثلة.
كما علقت جهات حكومية في فرنسا وهولندا وألمانيا وفنلندا الوصول إلى بعض مواقعها، في حين أوقفت شركة الاتصالات الفرنسية «أورانج» الوصول مؤقتاً إلى تطبيقات ومواقع تستخدم اللغة.
وقالت الجهة الحكومية المسؤولة عن خدمات تقنية المعلومات في فنلندا إن إعادة تشغيل الأنظمة قد تستغرق أياماً أو أسابيع، نظراً إلى ضرورة اختبار التحديثات قبل إعادة الخدمات إلى العمل، مؤكدة أن عمليات التعطيل كانت احترازية وليست نتيجة اختراق أمني مؤكد.
ملايين محاولات الاستغلال
تزامن الكشف عن الثغرتين مع ارتفاع سريع في محاولات استغلالهما، وقال ماثيو برنس، الرئيس التنفيذي لشركة «كلاودفلير»، إن أنظمة الشركة رصدت آلاف المحاولات خلال الساعات العشر السابقة للإعلان العلني، قبل أن تقفز إلى عشرات الآلاف خلال 45 دقيقة، ثم مئات الآلاف خلال ساعتين، لتصل لاحقاً إلى الملايين.
وكشفت شركة «أمازون ويب سيرفيسز» عن رصد محاولة لاستغلال الثغرات تعود إلى 17 أكتوبر، أي قبل أربعة أيام من نشر التحديثات الأمنية، عبر أحد خوادمها التجريبية المصممة لاكتشاف الهجمات.
وقالت الشركة إن مصدر المحاولة استخدم شبكة لإخفاء عنوان الاتصال الحقيقي، وإنها رصدت لاحقاً محاولات إضافية من مصادر متعددة، لكنها لم تتمكن من تحديد ما إذا كانت تلك المحاولات ستنجح ضد أنظمة حقيقية.
ويعني ذلك أن رصد ملايين محاولات الاستغلال لا يمثل دليلاً على اختراق ملايين المواقع أو سرقة بيانات مستخدميها.
ونقلت مجلة «وايرد» عن مسؤولة في مؤسسة «PHP» أن المؤسسة لم تكن على علم، حتى وقت تصريحاتها، بأي حالة مؤكدة نجح فيها مهاجمون في تنفيذ تعليمات برمجية عن بُعد باستخدام الثغرتين ضد أنظمة فعلية.
خلل معروف منذ 2024
وأقرت مؤسسة «PHP» بأن المؤشرات الأولى لأحد العيوب البرمجية ظهرت خلال مراجعة أمنية في عام 2024، لكن الفريق المسؤول لم يكن قد حدد آنذاك طريقة عملية واضحة لاستغلاله.
وأوضحت أن تطوير إصلاح مناسب تأخر بسبب صعوبة تعديل آليات إدارة الذاكرة دون التأثير في توافق البرامج أو أدائها، إلى جانب محدودية الموارد البشرية المتخصصة.
ووصفت المؤسسة التأخير بأنه إخفاق هيكلي يرتبط بطريقة اتخاذ القرارات ونقص الموارد، مشيرة إلى أنها بدأت مراجعة إجراءات التعامل مع البلاغات الأمنية وتسريع تطوير الإصلاحات.
الذكاء الاصطناعي يدخل سباق الثغرات
أعاد اكتشاف الثغرتين تسليط الضوء على دور الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني، بعدما ساعدت نماذج متقدمة باحثين على تحديد طرق عملية لاستغلال عيوب برمجية ظلت دون معالجة لسنوات.
وأفادت مؤسسة «PHP» بأن شركة الأبحاث الأمنية «كاليف» قدمت في 11 أغسطس تقريراً عن إحدى طرق الاستغلال، فيما قدمت شركة «ويز» نتائج إضافية في 24 أغسطس، بمساعدة أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
كما شاركت «أوبن إيه آي» في أبحاث وتنسيق الاستجابة الأمنية، ضمن تعاون مع مطوري اللغة وشركات متخصصة في حماية البنية التحتية للإنترنت.
وتشير هذه التطورات إلى تحول في طبيعة المخاطر السيبرانية، إذ باتت الأدوات نفسها التي تساعد الباحثين على اكتشاف الثغرات قادرة على تسريع تحليل التحديثات الأمنية وتطوير وسائل لاستغلال الأنظمة التي لم تُحدّث بعد.
وحذرت أمازون من تقلص الفترة الزمنية بين الكشف عن الثغرات وظهور محاولات استغلالها، بعدما كانت بعض الهجمات تتطلب سابقاً وقتاً أطول لتطوير أدواتها.
مخاطر تمتد إلى البيانات والخدمات
حذرت الجهات الأمنية من أن استغلال الثغرتين بنجاح قد يمنح المهاجم صلاحيات تشغيل التعليمات البرمجية المتاحة لخدمة الويب على الخادم، ما قد يتيح الوصول إلى ملفات أو قواعد بيانات أو معلومات حساسة بحسب إعدادات النظام والصلاحيات الممنوحة له.
وأصدرت وكالة الأمن السيبراني الأوروبية «إينيسا»، بالتعاون مع جهات أوروبية بينها «يوروبول»، تحذيراً مشتركاً حث المؤسسات على تحديث الأنظمة المعرضة للإنترنت فوراً، والتنسيق مع شركات الاستضافة ومزودي الخدمات.
وأوصى المركز الوطني البريطاني للأمن السيبراني المؤسسات التي لا تستطيع تطبيق الإصلاحات فوراً بالنظر في عزل الأنظمة المتأثرة أو تعليق تشغيلها لحين تأمينها.
وتشمل الإصدارات المصححة «PHP 8.5.12» و«8.4.27» و«8.3.36» و«8.2.35»، بينما تحتاج الأنظمة التي تعمل بإصدارات قديمة لم تعد مدعومة إلى الانتقال لإصدارات آمنة أو الحصول على إصلاحات معتمدة من مورديها.
ويرى خبراء أمنيون أن التحدي الأكبر لا يقتصر على إصدار التحديثات، بل يمتد إلى ضمان وصولها إلى المواقع الصغيرة والأنظمة القديمة والخدمات التي تعتمد على مكونات برمجية لا يراقبها أصحابها بانتظام.
وتسلط الأزمة الضوء على اعتماد قطاعات واسعة من الاقتصاد والخدمات الحكومية على برمجيات مفتوحة المصدر، وعلى الفجوة بين سرعة اكتشاف الثغرات باستخدام الذكاء الاصطناعي وقدرة المؤسسات على معالجة أنظمتها قبل تعرضها للهجوم.

