قبل عصر توماس إديسون وقبل ظهور المصباح الكهربائي والبطارية الحديثة، تركت قطعة أثرية صغيرة عُثر عليها قرب بغداد العلماء أمام لغز محير. فقد بدت الجرة الفخارية، التي تحتوي على أسطوانة نحاسية وقضيب حديدي، وكأنها تشبه تصميم خلية كهربائية بدائية، ما أثار جدلا واسعا حول طبيعتها واستخدامها الحقيقي.
ومنذ ظهور هذه الفرضية، تحولت الجرة الصغيرة إلى محور نقاش طويل بين العلماء، إذ اعتبرها البعض دليلًا محتملًا على معرفة قديمة بمبادئ الكهرباء، في حين أكد آخرون أن وظيفتها الحقيقية ربما كانت مرتبطة بطقوس وممارسات يومية لا علاقة لها بالطاقة الكهربائية.
هذه القطعة تعود إلى الفترة بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الثالث الميلادي تقريبا، بينما لم تُكتشف إلا عام 1936 بالقرب من بغداد، ما جعلها واحدة من أكثر الآثار إثارة للجدل في تاريخ البحث الأثري.
منذ فجر الحضارات، اعتاد البشر التكيف مع الحياة دون كهرباء أو تقنيات حديثة، ورغم ذلك نجحوا في تشييد مدن عظيمة وإنجاز أعمال هندسية ما زالت تبهر العالم حتى اليوم. لكن اكتشافا أثريا غامضا بالقرب من بغداد فتح الباب أمام فرضية مثيرة للجدل، مفادها أن الإنسان القديم ربما عرف مبادئ توليد الكهرباء قبل أكثر من ألفي عام، أي قبل اختراع البطارية الحديثة بقرون طويلة.
بدأت القصة عام 1936 عندما عثر عمال في منطقة خوجوت رابو، القريبة من أطلال مدينة قطسيفون، العاصمة القديمة للإمبراطوريتين البارثية والساسانية، على جرة فخارية تضم أسطوانة نحاسية مغلقة بمادة البيتومين، وفي داخلها قضيب حديدي. وقد أثار هذا التركيب غير المألوف اهتمام مدير متحف العراق آنذاك، العالم الألماني فيلهلم كونيغ، الذي اقترح أن القطعة ربما كانت خلية جلفانية بدائية قادرة على إنتاج تيار كهربائي.
ورغم أن القطعة الأصلية فُقدت خلال نهب متحف العراق عام 2003، فإن الصور والرسومات التي وثقها كونيغ سمحت للباحثين بإعادة تصنيع نماذج مطابقة لها. وأظهرت التجارب أن هذه النماذج تستطيع بالفعل إنتاج جهد كهربائي يتراوح بين 0.8 و2 فولت عند ملئها بمحاليل حمضية مثل الخل أو عصير الليمون، وهو ما أعاد إشعال الجدل حول وظيفتها الحقيقية.
وفي عام 2005، اختبر برنامج MythBusters الفكرة عمليا، حيث وصل عشرة نماذج من بطارية بغداد معًا مستخدمًا عصير الليمون كمحلول إلكتروليتي، وتمكن من توليد نحو 4.5 فولت، ما أثبت أن التصميم قادر نظريًا على إنتاج الكهرباء، لكنه لم يثبت أن هذا كان الغرض الذي صُنعت من أجله.
وفي محاولة لتقديم تفسير جديد، نشر الباحث المستقل ألكسندر بازيس دراسة اقترح فيها أن الجرة كانت تضم نظاما كهربائيا أكثر تعقيدا مما كان يُعتقد سابقًا. ووفقًا لنظريته، فإن الطين عمل كفاصل مسامي بين خليتين كهربائيتين متصلتين على التوالي، ما مكنهما من إنتاج نحو 1.4 فولت، وهي قيمة كافية لإحداث تفاعلات كيميائية مثل الطلاء الكهربائي أو التحليل الكهربائي لبعض المعادن.
لكن هذه الفرضيات لا تزال تواجه اعتراضات قوية من علماء الآثار. إذ يؤكد الباحث ويليام ب. هافورد من متحف جامعة بنسلفانيا أن الأدلة الأثرية لا تدعم فكرة استخدام الجرة كبطارية، موضحًا أن القطعة لا تحتوي على أسلاك أو أي وسيلة عملية لتوصيل دائرة كهربائية خارجية، كما أن بعض النماذج المكتشفة تضم أكثر من أسطوانة نحاسية، وهو تصميم لا يتوافق مع عمل البطاريات المعروفة.
وتذهب عالمة الآثار إليزابيث ستون إلى أبعد من ذلك، مؤكدة أنها لا تعرف أي متخصص بارز في هذا المجال يتبنى فرضية أن الجرة كانت بطارية بالفعل، معتبرة أن التفسيرات الأخرى أكثر اتساقًا مع الأدلة التاريخية والأثرية.
ويستند هذا الرأي إلى أن هذه الأواني عُثر عليها بالقرب من أوعية تعاويذ وطقوس دينية كانت شائعة في المنطقة خلال تلك الفترة. لذلك يرى عدد من الباحثين أنها ربما استُخدمت لحفظ نصوص دينية أو قرابين، بينما كان القضيب الحديدي يؤدي دور المسمار لإغلاق الوعاء، وليس قطبًا كهربائيًا. كما يشبهها بعض العلماء بما يُعرف في أوروبا لاحقًا بـ"زجاجات الساحرات"، التي كانت تُستخدم في طقوس يُعتقد أنها تحبس الأرواح الشريرة وتوفر الحماية،بحسب تقريرٍ لموقع "History".
ورغم مرور عقود على اكتشاف بطارية بغداد، لا يزال الجدل قائمًا بين من يعتقد أنها تمثل أول محاولة بشرية لاستغلال الكهرباء، ومن يرى أنها مجرد جرة طقسية أسيء تفسيرها. وحتى اليوم، لا توجد أدلة حاسمة تحسم هذا اللغز، ما يجعل القطعة واحدة من أكثر الاكتشافات الأثرية إثارة للجدل، ويترك الباب مفتوحًا أمام المزيد من الدراسات التي قد تكشف يومًا ما الحقيقة الكاملة وراء هذا الأثر الغامض.