شلال ينزف في قلب أنتاركتيكا.. اكتشاف عالم قديم تحت الجليد

في واحدة من أغرب الظواهر الطبيعية على كوكب الأرض، كشف العلماء سر شلالات الدم (Blood Falls) الشهيرة في القارة القطبية الجنوبية، بعد العثور على مجتمع من الكائنات المجهرية البحرية القديمة التي ظلت معزولة تحت الجليد لمئات آلاف السنين.

هذا الشلال الأحمر الغامض، الذي يخرج من نهر تايلور الجليدي ويتدفق نحو بحيرة بوني، لطالما أثار حيرة العلماء بسبب لونه القاني الذي يشبه الدم. لكن اللون المخيف لا يعود إلى دماء أو كائنات غامضة، بل إلى مياه مالحة غنية بالحديد، حيث يتأكسد الحديد عند تعرضه للهواء ليمنح المياه لونها الأحمر المميز.

عالم بحري مخفي تحت الجليد

كشفت دراسة حديثة أن المياه المالحة الخارجة من أسفل الجليد تؤوي نظامًا بيئيًا فريدًا من الكائنات الدقيقة ذات الأصل البحري، بقيت محاصرة تحت الجليد منذ أن تقدمت الأنهار الجليدية وعزلت مياه البحر القديمة عن المحيط.

وضم هذا العالم الخفي أنواعًا من الدياتومات والهابتوفيات والدينوفلاجيلات والكائنات الهدبية، وهي كائنات مجهرية تعيش عادة في البيئات البحرية.

ويرى الباحثون أن وجود هذه الكائنات يمثل أقوى دليل بيولوجي حتى الآن على أن المياه الموجودة تحت شلالات الدم كانت في الأصل جزءًا من المحيط قبل أن تُحاصر تحت الجليد.

دليل على محيط قديم تحت القارة المتجمدة

قام العلماء بتحليل 167 عينة من المياه والرواسب والجليد والهواء في منطقة الوديان الجافة بمكماورد والمناطق المحيطة بها في أنتاركتيكا.

وباستخدام تقنيات تحليل الحمض النووي، تمكن الفريق من تحديد آلاف الأنواع من الكائنات الدقيقة، واكتشف أن نسبة كبيرة منها ترتبط بكائنات موجودة في البيئات البحرية، وليس بالأنظمة البرية أو المياه العذبة.

وأظهرت النتائج أن نحو 9.34% من الكائنات الدقيقة في منطقة شلالات الدم تشترك في صفات وراثية مع عينات بحرية قريبة، مقارنة بنسبة أقل بكثير في مواقع أخرى من الوديان الجافة، ما يدعم فكرة أن هذه الحياة تعود إلى مجتمع بحري قديم.

حياة تزدهر في أقسى مكان على الأرض

المفاجأة الأكبر أن هذه الكائنات لم تكن مجرد بقايا محفوظة، بل أظهرت دلائل على أنها لا تزال نشطة بيولوجيًا رغم الظروف القاسية تحت الجليد.

فقد كشفت التحليلات الجينية أنها تقوم بعمليات مثل البناء الضوئي، وإصلاح الخلايا التالفة، وتشغيل أنظمة تساعدها على مقاومة البرودة الشديدة والملوحة العالية.

ويعتقد العلماء أن بعض هذه الكائنات قد تدخل في حالة خمول طويلة، ثم تعود للنشاط عندما تصبح الظروف مناسبة.

نافذة على ماضي أنتاركتيكا

لا تكشف شلالات الدم أسرار الحياة فقط، بل تقدم أيضًا أدلة مهمة حول تاريخ القارة القطبية الجنوبية، وكيف تغيرت بيئتها عبر مئات آلاف السنين.

فهذا النظام البيئي المعزول يمثل “مختبرًا طبيعيًا” يساعد العلماء على فهم قدرة الحياة على البقاء خلال التحولات المناخية الكبرى، وربما يقدم إشارات حول إمكانية وجود حياة في بيئات جليدية خارج الأرض.

يقف شلال الدم اليوم كواحد من أكثر الأماكن غرابة على الكوكب؛ فخلف مظهره المخيف يخفي عالمًا صغيرًا نابضًا بالحياة، بقي معزولًا في الظلام تحت جليد أنتاركتيكا منذ عصور سحيقة