قد تبدو الأرقام على منصات التواصل الاجتماعي واضحة: مليون متابع يعني شخصاً مؤثراً، ومئة ألف إعجاب تعني أن المحتوى محبوب، وملايين المشاهدات توحي بأن شيئاً ما أصبح ظاهرة، لكن خلف هذه العدادات صناعة كاملة من الحسابات الوهمية والروبوتات والمزارع الإلكترونية، إلى جانب خوارزميات المنصات نفسها، تجعل السؤال أكثر تعقيداً فكم شخص حقيقي يقف بالفعل خلف هذه الأرقام؟
وأعلنت منصة تيك توك أنها أزالت نحو 500 مليون حساب مزيف خلال عام واحد، إلى جانب المحتوى الذي نشرته تلك الحسابات، وفي فترة أقصر، من 7 أكتوبر وحتى نهاية عام 2023، قالت الشركة إنها حذفت أكثر من 169 مليون حساب مزيف حول العالم ونحو 1.2 مليون تعليق آلي على محتوى مرتبط بالحروب.
وتكشف هذه الأرقام أن الحساب الوهمي مشكلة تعمل المنصات على نطاق صناعي لمواجهتها، فالروبوت يستطيع متابعة آلاف الحسابات، ووضع الإعجابات والتعليقات وإعادة النشر من دون وجود إنسان يتخذ القرار في كل مرة، وإذا تجمع آلاف منها حول منشور واحد، فإنها تستطيع أن تمنحه مظهراً شعبياً قبل أن يراه الجمهور الحقيقي، فيدخل المستخدم إلى المنشور وهو يحمل مسبقاً انطباعاً بأن آلاف الأشخاص سبقوه إلى الإعجاب به.
وتحركت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية ضد شركة تدعى «ديفومي»، كانت تبيع متابعين ومشاهدات ومؤشرات نفوذ مزيفة عبر عدد من المنصات، ووفق اللجنة، نفذت الشركة أكثر من 58 ألف طلب لشراء متابعين مزيفين على تويتر، وأكثر من 32 ألف طلب لمشاهدات مزيفة على يوتيوب، إلى جانب أكثر من 4 آلاف عملية بيع لمشتركين مزيفين على المنصة نفسها، وانتهت القضية بمنع الشركة وصاحبها من بيع مؤشرات النفوذ الاجتماعي المزيفة، في أول إجراء من نوعه للجنة ضد هذا النشاط.
المشكلة هنا تتجاوز غرور شخص يريد أن يبدو مشهوراً، فقد قالت اللجنة الأمريكية إن هذه الأرقام تستطيع تضليل المستهلكين والعملاء وأصحاب الأعمال، لأن عدد المتابعين أصبح جزءاً من تقييم قيمة الشخص التجارية، فالمؤثر الذي يبدو أن لديه مليون متابع قد يحصل على عقد إعلاني أكبر من شخص لديه مئة ألف، حتى لو كان جزء كبير من المليون مجرد حسابات لا تشاهد المنتج ولا يمكنها شراؤه، ولهذا وصفت اللجنة بيع المتابعين والمشاهدات المزيفة بأنه وسيلة تمكّن المشترين من تضخيم نفوذهم وخداع الآخرين بشأن شعبيتهم الحقيقية.
وأظهرت تجربة علمية على مراهقين أن المشاركين كانوا أكثر ميلاً للإعجاب بصورة إذا ظهر لهم أنها حصلت مسبقاً على عدد كبير من الإعجابات، حتى عندما كانت الصورة تعرض سلوكاً خطراً مثل التدخين.
وقسم الباحثون الصور إلى فئة «شعبية» حصلت ظاهرياً على 23 إلى 45 إعجاباً، وأخرى أقل شعبية تراوح عدد الإعجابات الظاهر عليها بين صفر و22، ولم يتغير المحتوى، الذي تغير فقط هو الرقم بجواره، ومع ذلك تغيرت استجابة المشاركين له، كما سجلت صور الإعجابات المرتفعة نشاطاً أكبر في مناطق من الدماغ مرتبطة بالمكافأة والإدراك الاجتماعي، مما يظهر أثر الأرقام على سلوكنا.
ومنصة ميتا، المالكة لفيسبوك وإنستغرام، تنشر بدورها تقارير عن شبكات «السلوك الزائف المنسق»، ففي أحد تقاريرها للربع الثالث من 2022، أعلنت إزالة شبكة ضمت 1633 حساباً و703 صفحات على فيسبوك و29 حساباً على إنستغرام، إلى جانب شبكات أخرى من الولايات المتحدة والصين، بعد استخدامها حسابات مزيفة لدفع رسائل معينة وإعطائها مظهراً أوسع انتشاراً مما كانت عليه في الواقع.
