نستخدمها كل يوم.. لكن هل ما زلنا نفهم كيف تعمل؟

من السهل اليوم استخدام هاتف ذكي، أو تشغيل سيارة، أو ضبط جهاز منزلي معقد من شاشة واحدة، فكل شيء أصبح أبسط من جهة المستخدم، نضغط فتعمل الآلة، نلمس الشاشة فتصلنا النتيجة.. لكن خلف هذا الاستخدام السهل توجد مشكلة يطرحها فرانك كيل، أستاذ علم النفس واللغويات والعلوم الإدراكية في جامعة ييل، في مقال نشره «MIT Press Reader».

يبدأ كيل بمثال يبدو بسيطاً جداً: محمصة الخبز، ففي عام 2011 حاول المصمم البريطاني توماس ثويتس صناعة محمصة كهربائية بنفسه، بدءاً من المواد الخام، وما بدا مشروعاً صغيراً تحول سريعاً إلى دليل على حجم المعرفة التي تختبئ داخل الأشياء اليومية، فاحتاج إلى الحديد والنحاس والنيكل والبلاستيك، ثم اكتشف أن الحصول على هذه المواد وصهرها وتشكيلها يحتاج إلى صناعات وخبرات لا يملكها فرد واحد.

وبحسب المقال، أخبر أحد خبراء المعادن ثويتس بأنه حتى في أفضل المناجم قد يحتاج إلى فرز نحو طن من المواد الخام للحصول على ما يكفي من المعادن اللازمة لصناعة محمصة واحدة، وانتهى به الأمر إلى الحصول على 40 كيلوغراماً من خام الحديد عالي الجودة من أحد عمال المناجم، والاستعانة بوسائل حديثة لصهره بعدما فشلت محاولاته الأولى، أما محاولة صناعة البلاستيك من النفط الخام فلم تنجح.

التجربة تقول إن ما نعده بسيطاً اليوم يعتمد في الحقيقة على شبكة ضخمة من التخصصات، فالمستخدم يعرف كيف يشغل الجهاز، لكنه في الغالب لا يعرف كيف يصنعه، ولا من أين جاءت مواده، ولا كيف تعمل أجزاؤه معاً.

هذه الفجوة ليست جديدة بالكامل، فالحضارة الحديثة مبنية أساساً على تقسيم المعرفة، فالطبيب لا يحتاج إلى معرفة كيفية بناء شبكة الكهرباء التي تشغل المستشفى، ومهندس الكهرباء لا يحتاج إلى تصنيع أدويته بنفسه.. لكل شخص مهنة وخبرة ومعرفة خاصة. 

لكن كيل يرى أن هناك تحولاً آخر حدث خلال العقود الماضية: حتى الأشياء التي كان المستخدم يستطيع النظر داخلها وفهم جزء من آليتها بدأت تختفي خلف أغلفة مغلقة وشرائح إلكترونية.

في الأجهزة القديمة، كان من الممكن فتح المذياع ورؤية الأسلاك والمقاومات والمكثفات والصمامات، فيستطيع الهاوي أن يزيل قطعة ويرى ما يحدث، أو يصل سلكاً بآخر ويكتشف النتيجة، حتى أصبحت المكونات أصغر.

دخلت الترانزستورات، ثم الدوائر المتكاملة، ثم الشرائح التي تضم اليوم ملايين ومليارات العناصر في مساحة صغيرة جداً، ولم يعد فتح الجهاز يكشف آليته، وقد تفتح الهاتف الحديث فلا تجد سوى بطارية ولوحة صغيرة وعدداً من الشرائح، من دون أن يخبرك منظرها بشيء يذكر عن الطريقة التي تنفذ بها مليارات العمليات.

ويولي كيل اهتماماً خاصاً للأطفال، فالطفل يميل بطبيعته إلى فتح الأشياء والعبث بها، ومحاولة معرفة السبب الذي يجعل جزءاً يتحرك أو مصباحاً يضيء. وهذه طريقة للتعلم، فالطفل يرى العلاقة بين السبب والنتيجة مباشرة أمامه.

في الماضي، كانت كثير من الأجهزة المنزلية تسمح بذلك بدرجة أكبر، أما الطفل الذي يحمل جهازاً لوحياً اليوم فيستطيع تعلم تشغيله خلال دقائق، لكنه لن يعرف شيئاً تقريباً عن العمليات التي تجعل لمس صورة على الشاشة يفتح تطبيقاً أو يشغل مقطعاً أو يرسل رسالة إلى الجانب الآخر من العالم.

المقال لا يقول إن هذا يجعل الأطفال أقل ذكاء، ولا يقدم نتيجة علمية قاطعة بأن التكنولوجيا الحديثة أضعفت قدرتهم على التفكير، بالعكس، يوضح كيل أن السؤال لا يزال مفتوحاً، وأن الأثر قد يكون إيجابياً أو سلبياً أو محدوداً، لكن ما تغير بصورة واضحة هو نوع المعرفة التي تقدمها الأشياء المحيطة بالطفل.

وهكذا تغيرت علاقتنا بالتكنولوجيا.. أصبحنا أفضل في استخدامها، وأكثر اعتماداً عليها، لكن معرفتنا بما يجري داخلها لم تزد بالضرورة بالسرعة نفسها.