مادة تحيّر العلماء.. ما الذي خبّأه نيزك عمره 300 عام؟

سقط نيزك في ألمانيا قبل أكثر من 300 عام، وظل محفوظاً داخل متحف في باريس، قبل أن يعود إلى واجهة الأبحاث العلمية بعدما كشفت دراسة حديثة عن مادة غريبة داخله تتصرف بطريقة غير مألوفة في توصيل الحرارة.

المادة، المعروفة باسم سيليكا ترايديميت، هي شكل من أشكال ثاني أكسيد السيليكون، وقد عُثر عليها داخل نيزك شتاينباخ الذي سقط عام 1724 وظل محفوظًا في متحف بباريس. وتكمن المفاجأة في أن ذراتها تحتفظ بترتيب وروابط مميزة للمواد البلورية، لكن هندسة هذا الترتيب تبدو غير منتظمة على نحو يشبه الزجاج.

لكن المفاجأة الحقيقية تظهر عند تغير درجة حرارتها؛ فالمادة تكاد توصل الحرارة بالمعدل نفسه سواء كانت أبرد أو أكثر سخونة. فقد بقي توصيلها الحراري شبه ثابت بين 80 و380 كلفن، وهو سلوك غير معتاد في المواد الصلبة. ويعتقد الباحثون أن هذا المزيج الفريد بين الانتظام البلوري والاضطراب الشبيه بالزجاج هو ما يمنح المادة سلوكها الحراري غير المعتاد.

وفي دراسة نُشرت في دورية وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS)، قاس فريق بحثي بقيادة ميشيل سيمونسيلي، من جامعة كولومبيا، الطريقة التي تنقل بها هذه المادة الحرارة.

ويختلف هذا السلوك عن النمط المعتاد للمواد الصلبة. ففي البلورات، التي تتميز بترتيب ذري منتظم ومتكرر، تتغير الموصلية الحرارية عادةً مع ارتفاع درجة الحرارة. أما الزجاج، الذي تفتقر بنيته إلى هذا الترتيب الدوري، فيُظهر سلوكًا مختلفًا.

لكن الترايديميت يجمع بين خصائص تبدو للوهلة الأولى متناقضة؛ إذ يحتفظ بترتيب الروابط البلورية، في حين تتخذ بنيته الهندسية درجة من عدم الانتظام تشبه ما يوجد في الزجاج. ويرى الباحثون أن هذا المزيج يفسر ثبات موصليته الحرارية بصورة غير معتادة.

وكان هذا السلوك قد تنبأت به معادلة وضعها سيمونسيلي وباحثون آخرون عام 2019، لتصف كيفية انتقال الحرارة عبر مواد تمتد خصائصها من البلورات المنتظمة إلى المواد غير المتبلورة.

ولأول مرة، وصفت هذه المعادلة توصيل الحرارة عبر النطاق الكامل من البلورة المثالية إلى الزجاج غير المتبلور تمامًا ضمن إطار واحد. وعندما طبقها الباحثون على أنواع مختلفة من ثاني أكسيد السيليكون، برز الترايديميت كمرشح محتمل، وفقا لـ "dailygalaxy".

وحصل فريق بحثي تجريبي في جامعة السوربون بباريس، بقيادة إتيان بالان ودانييل فورنييه وماسيمليانو مارانغولو، على إذن خاص من المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي لأخذ عينة من نيزك شتاينباخ. وسقط النيزك في ألمانيا عام 1724، وهو الآن ضمن مجموعة المتحف.

مادة قد تتجاوز حدود النيزك

ويمكن أن تتشكل المادة نفسها نتيجة التعرض الحراري الطويل، الذي يستمر لعقود، داخل الطوب الحراري المستخدم في تبطين أفران الصلب الصناعية. وتكتسب هذه الخاصية أهمية خاصة في ظل التأثير البيئي الكبير لصناعة الصلب، إذ ينتج القطاع كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون، فيما تمثل إدارة الحرارة داخل الأفران عاملًا مهمًا في كفاءة عمليات الإنتاج.

وقد تفتح خصائصه الحرارية مجالًا أمام استخدام مواد مشتقة منه في إدارة الحرارة داخل الأفران، خصوصًا أن موصليته الحرارية تبقى أكثر استقرارًا عبر تغير درجات الحرارة.

كما استخدم الفريق أساليب التعلم الآلي لمحاكاة التفاعلات الذرية وحل حسابات كمومية معقدة على نطاق يصعب الوصول إليه بالطرق التقليدية، ما ساعد على التنبؤ بالخصائص الحرارية للمادة قبل مقارنتها بالقياسات التجريبية للنيزك.

ولا تتوقف تداعيات الدراسة عند التوصيل الحراري؛ إذ يرى الباحثون أن الإطار الحسابي المستخدم قد يساعد مستقبلًا في دراسة جسيمات أخرى تنتقل عبر المواد الصلبة، مثل الإلكترونات والماغنونات، المرتبطة بتطبيقات في مجالات الإلكترونيات الدورانية والحوسبة العصبية وتقنيات أخرى لإدارة الحرارة.

أما النيزك نفسه، فيحمل جانبًا آخر من الأهمية؛ فخصائص الترايديميت الحرارية ترتبط بالظروف التي تعرضت لها المادة، ما قد يساعد العلماء على فهم التاريخ الحراري للأجرام السماوية التي تتشكل فيها، ومن بينها المريخ.