في أعماق المحيط الأطلسي، لا تقتصر أسرار أسنان أسماك القرش المتحجرة على كشف ملامح الحياة البحرية القديمة، بل تمتد إلى عالم المعادن الحيوية التي تدخل في صناعة البطاريات الحديثة. فقد توصلت دراسة علمية إلى أن هذه الأسنان تتحول، على مدى ملايين السنين، إلى بيئات دقيقة تتراكم داخلها معادن غنية بالليثيوم والنيكل، في عملية طبيعية قد تساعد العلماء على فهم كيفية تشكّل الرواسب المعدنية في قاع المحيطات.
وكشفت الدراسة، المنشورة في مجلة «Scientific Reports»، أن الأسنان الموجودة في مرتفع ريو غراندي، وهو تكوين جيولوجي ضخم مغمور في جنوب المحيط الأطلسي، تحتضن داخل بنيتها المجهرية مراحل متتابعة من تراكم المعادن وتحولها. وتكشف النتائج كيف يمكن لبقايا كائنات بحرية قديمة أن تصبح جزءًا من عمليات جيولوجية تمتد عبر ملايين السنين.
من أسنان بيضاء إلى تراكيب معدنية داكنة
تقع منطقة الدراسة على مرتفع ريو غراندي، على مسافة تقارب ألف كيلومتر من الساحل البرازيلي. وتمتد هذه الهضبة المحيطية لمسافة كبيرة، وترتفع عن قاع البحر المحيط بها، فيما تغطي أجزاء من صخورها قشور داكنة غنية بأكاسيد الحديد والمنغنيز.
وفي هذه البيئة، تستقر أسنان القرش المتحجرة داخل الرواسب البحرية، ثم تتراكم على أسطحها طبقات معدنية تمنحها لونًا أسود أو داكنًا. لكن التغير الأهم لا يحدث على السطح وحده؛ إذ وجد الباحثون أن المعادن تتغلغل في القنوات المجهرية داخل العاج، وهو النسيج الذي يشكل الجزء الداخلي من السن.
وتتميز هذه القنوات بصغر حجمها الشديد، إذ يقل قطر بعضها عن قطر شعرة الإنسان، ما يجعلها بيئة مناسبة لدراسة التفاعلات الكيميائية التي تحدث بين المعادن ومياه البحر وبقايا المواد العضوية.
كيف تتراكم المعادن داخل السن؟
تبدأ العملية بتحلل أجزاء من البنية المعدنية والمواد العضوية في السن بعد استقرارها في قاع البحر. ومع مرور الوقت، تترسب مركبات الحديد على جدران القنوات المجهرية، قبل أن تتكون فوقها طبقات من معدن الليثيوفوريت، وهو أحد أكاسيد المنغنيز القادرة على استيعاب عناصر أخرى داخل بنيته.
وهنا تظهر إحدى أبرز نتائج الدراسة؛ إذ رصد الباحثون تراكمًا لافتًا للنيكل والليثيوم في هذه التراكيب المعدنية. وبلغ تركيز النيكل في أحد الأطوار المعدنية نحو 37 ألف ميكروغرام لكل غرام، أي ما يعادل قرابة 3.7% من الوزن، بينما وصل تركيز الليثيوم إلى نحو 650 ميكروغراما لكل غرام، وفقا لـ "dailygalaxy.".
وفي مراحل لاحقة، انتقلت عناصر أرضية نادرة والإيتريوم إلى أجزاء متغيرة من البنية المعدنية للسن، في حين استقرت عناصر أخرى في أكاسيد الحديد والمنغنيز. وتوضح هذه المراحل كيف تتوزع العناصر الكيميائية بين المعادن المختلفة خلال عملية التراكم.
تقنيات متقدمة تكشف ما لا تراه العين
للوصول إلى هذه النتائج، استخدم فريق البحث مجموعة من التقنيات، شملت التصوير المقطعي الدقيق والمجاهر الإلكترونية والتحليل بالليزر، إلى جانب قياسات الأشعة السينية في منشأة «سيريوس» البرازيلية لتسريع الجسيمات.
وساعدت هذه الأدوات العلماء على فحص البنية الداخلية للأسنان وتحديد التركيب الكيميائي للمعادن وحالات أكسدتها، بما أتاح لهم إعادة بناء التسلسل الذي تشكلت من خلاله الطبقات المعدنية داخل القنوات المجهرية.
ولا تقتصر أهمية النتائج على أسنان القرش نفسها؛ إذ يرى الباحثون أن هذه التراكيب توفر نموذجًا مصغرًا لدراسة المراحل المبكرة لتكوّن قشور وعقيدات الحديد والمنغنيز في قاع المحيط، وهي تكوينات طبيعية تحظى باهتمام علمي بسبب احتوائها على مجموعة من المعادن المهمة للصناعات الحديثة.
يحمل مرتفع ريو غراندي بدوره قصة جيولوجية لافتة. فقد عُثر في المنطقة على طين أحمر يشبه التربة البركانية الاستوائية، وهو ما يدعم فرضية أن أجزاء من المرتفع كانت مكشوفة فوق سطح البحر في الماضي، وربما شكّلت جزيرة استوائية قبل أن تغمرها المياه نتيجة التغيرات الجيولوجية.
وتغطي قشور الحديد والمنغنيز أجزاء من منحدرات المرتفع، وتتراكم هذه الطبقات ببطء شديد، بمعدلات قد لا تتجاوز بضعة مليمترات خلال ملايين السنين. وتحتوي هذه القشور على عناصر مثل الكوبالت والنيكل والنحاس والليثيوم والتيلوريوم، إلى جانب عناصر أرضية نادرة.
وسبق أن عُثر في المنطقة على سن متحجر لسمكة القرش العملاقة المنقرضة «ميغالودون»، خلال عملية تجريف في عام 2012. ويبرز هذا الاكتشاف مدى قدرة الرواسب البحرية على الاحتفاظ ببقايا كائنات عاشت في عصور سحيقة، بالتوازي مع عمليات جيولوجية بطيئة تعيد تشكيل المواد المحيطة بها.
هل تتحول أسنان القرش إلى مصدر للمعادن؟
رغم أن تراكم الليثيوم والنيكل داخل الأسنان المتحجرة يثير الاهتمام، فإن الدراسة لا تعني أن هذه الأسنان تمثل مصدرًا عمليًا لاستخراج المعادن على نطاق صناعي. فتركيز العناصر داخل طور معدني مجهري لا يكفي وحده لتحديد الجدوى الاقتصادية، التي تتوقف أيضًا على حجم الرواسب وتوزيع المعادن وتكاليف الاستخراج والآثار البيئية.
وتكمن القيمة الأساسية للاكتشاف في أنه يقدم نافذة دقيقة على كيفية انتقال المعادن وتراكمها في البيئات البحرية العميقة. ومن خلال فهم هذه العمليات، قد يتمكن العلماء من تفسير تشكّل الرواسب الغنية بالمعادن على نحو أفضل، وتطوير نماذج تساعد على دراسة الموارد المعدنية الموجودة في قاع المحيطات.

