الصين تضع عيادة عيون تحت إدارة الذكاء الاصطناعي.. ماذا حدث؟

في تجربة طبية غير مألوفة، سمحت الصين للذكاء الاصطناعي بتولي جانب كبير من سير العمل داخل عيادة متخصصة في أمراض العيون، بدلًا من استخدامه كأداة مساعدة للأطباء فقط، مع استمرار الإشراف البشري. وتولى النظام مهامًا تشمل تحليل صور العين والمساعدة في اكتشاف أمراض مثل الجلوكوما والتنكس البقعي.

ورغم محدودية أدائه في البداية، تحسّن بشكل كبير بعد تدريبه على 1,426 صورة عالية الجودة صنّفها أطباء متخصصون، متجاوزًا 0.93 في بعض اختبارات الأداء. لكن التجربة كشفت تحديًا آخر، إذ تراجع استخدام الأطباء للأداة عندما كانت بطيئة ومعقدة، قبل تحسينها لتصبح أسرع وأسهل. وأظهرت النتائج أن نجاح الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعتمد على دقته وحدها، بل أيضًا على جودة البيانات وسهولة دمجه في سير العمل اليومي.

وأجرى باحثون بقيادة فريق من معهد بكين لعلوم الرؤية وأبحاث العيون الانتقالية تجربة حملت اسم AI-TEC، وهي عيادة تابعة لجامعة تسينغهوا صُممت منذ البداية لتعظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، مع استمرار مشاركة الأطباء والإشراف البشري.

وشمل النظام مراحل متعددة من رحلة المريض، بدءًا من الاستشارة الأولية، مرورًا بفحوصات العين وتحليل صورها، وصولًا إلى المتابعة بعد الزيارة.

وأظهرت التجربة أن أداء الذكاء الاصطناعي في تشخيص بعض أمراض العين، مثل الجلوكوما والتنكس البقعي المرتبط بالعمر، لم يكن مرتفعًا في البداية. لكن الدقة تحسنت بصورة ملحوظة بعد تزويده بـ 1426 صورة عالية الجودة جرى تصنيفها بدقة بواسطة أطباء عيون متخصصين.

وكانت هذه البيانات أكثر فاعلية من مجموعة التدريب الأصلية التي ضمت نحو 27 ألف صورة، لكنها كانت أقل جودة وأقل شمولًا في تصنيف الحالات.

وباستخدام مقياس AUROC لتقييم الأداء التشخيصي، تجاوزت دقة النظام 0.93 بعد تحديث بيانات التدريب، وهو مستوى يقارب ما تحققه أنظمة حديثة أخرى لتحليل صور العين.

لكن المفاجأة لم تكن في دقة الذكاء الاصطناعي وحدها، بل في مدى استخدام الأطباء والموظفين له فعليًا.

فبعد خمسة أشهر من تشغيل العيادة، لم يُستخدم الذكاء الاصطناعي إلا في 41 فحصًا من أصل 1113 خلال أحد الأشهر، أي نحو 3.8% فقط من الحالات التي كان يمكن استخدامه فيها.

وفي الشهر التالي، ارتفعت النسبة إلى 23%، بعدما عدّل الباحثون النظام ليصبح أسرع وأسهل في الاستخدام، مع تقليل عدد النقرات والإدخالات اليدوية المطلوبة من الموظفين.

وأظهرت التجربة بذلك مشكلة تتجاوز قدرة الخوارزمية نفسها: يمكن لنظام ذكاء اصطناعي أن يكون دقيقًا، لكنه لا يصبح مفيدًا سريريًا بالضرورة إذا كان استخدامه معقدًا أو لا ينسجم مع طريقة عمل الأطباء.

ويرى الباحثون أن نجاح هذا النوع من العيادات يعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية: بيانات طبية عالية الجودة، وسير عمل مصمم بكفاءة، وردود فعل سريعة ومنتظمة من الأطباء لتطوير النظام.

كما كشفت التجربة عن اختلاف جوهري بين طريقة تفكير الذكاء الاصطناعي والأطباء؛ فالذكاء الاصطناعي يركز أساسًا على تحديد النتيجة، مثل وجود مرض من عدمه، بينما يبدأ الطبيب عادةً من أعراض المريض وشكواه قبل الوصول إلى التشخيص.

ولهذا، خلص الباحثون إلى أن نجاح عيادة مصممة حول الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُقاس فقط بمدى تفوق الخوارزمية في الاختبارات، وإنما بقدرتها على تغيير سير العمل السريري وتحسين النتائج الصحية للمرضى، وقد نُشرت الدراسة في مجلة Nature Medicine.