لماذا لم يبع فنسنت فان جوخ سوى لوحة واحدة في حياته؟

بحث الأثرياء عن لوحات تضفي الأناقة على بيوتهم، مثل البورتريهات والطبيعة الصامتة، والمشاهد الهادئة المرسومة بعناية، والتي تعكس الذوق والثراء، فأصبحت هذه الأعمال اللغة السائدة في سوق الفن خلال القرن 19م. كان اقتناء اللوحات جزءاً من صورة المنزل ومكانة صاحبه الاجتماعية، لذلك ازدهرت الموضوعات التي تصور الأزهار والفاكهة والأواني الفاخرة والوجوه الأنيقة والمناظر الطبيعية المريحة للعين، وهي موضوعات وجدت طريقها بسهولة إلى الصالونات والبيوت.

رؤية فان جوخ

أما فان جوخ، فاختار الحقول والأكواخ، ووجوه الفلاحين المتعبة، والأحذية البالية المهترئة من كد العمل، ومشقة الحياة، وكل ما يحمل كرامة العمل والعمال.. وكمثال في لوحة "آكلو البطاطا" عام 1885، جلس خمسة فلاحين حول مائدة متواضعة في ضوء خافت، وفي لوحات أخرى رسم أحذية العمال، وأكواخ الفلاحين، والحصاد والزرع، كان يبحث عن الجمال في حياة بعيدة تماماً عن صالونات الأثرياء. وكان يرى في العامل والفلاح موضوعاً فنياً يستحق المكانة نفسها التي مُنحت للطبقات الميسورة.

مشتري اللوحة الوحيدة

اللوحة الوحيدة التي باعها فان جوخ في حياته، لوحة "الكرمة الحمراء" عام 1888، إذ وجد المشترون في ألوانها ومشهد الحصاد ما انسجم مع ذوق عصرهم، فاللوحة تصور عمالاً في الحقل أيضاً، لكن المشهد تغمره ألوان الخريف المتوهجة، ويتصدره الأحمر والنبيذي والذهبي، فيما تنعكس الشمس على الأرض والماء، فتحولت مشقة الحصاد إلى مشهد شديد الجاذبية البصرية.. وبيعت اللوحة في بروكسل عام 1890 للفنانة وجامعة الأعمال البلجيكية آنا بوش.

نظرة الفن الحديث

في منتصف القرن العشرين، وبعد وفاة فان جوخ بعقود، بيعت لوحاته بعشرات الملايين، دون أن يتغير فنه، بل تغير وعي الناس بقيمة الطبقات العاملة، والفلاحين، والكرامة الإنسانية.. وتغيرت معها نظرة الفن الحديث إلى الموضوع نفسه، فأصبح الحذاء البالي، والعامل المنحني في الحقل، والكوخ البسيط، موضوعات تحمل قيمة إنسانية وجمالية.. وهكذا انتقل ما عجز سوق القرن التاسع عشر عن احتضانه إلى المتاحف الكبرى، وأصبحت لوحات فان جوخ من أشهر الأعمال الفنية في العالم.