قبل مشاهدة «الأوديسة».. ما الذي يجب أن تعرفه عن رحلة أوديسيوس؟

قبل أن تكون «الأوديسة» فيلماً ضخماً لكريستوفر نولان، كانت واحدة من أقدم قصص العودة في التاريخ الإنساني، فهي ملحمة يونانية منسوبة إلى هوميروس، تتكون من 24 كتاباً، وتروي رحلة أوديسيوس، ملك إيثاكا، بعد انتهاء حرب طروادة.

القصة تبدو بسيطة في ظاهرها: رجل يريد العودة إلى بيته. لكن الطريق إلى البيت يستغرق 10 سنوات كاملة، بعد حرب استمرت بدورها 10 سنوات. أي أن أوديسيوس لا يعود من معركة واحدة، بل من عشرين عاماً من الغياب: عشر سنوات في الحرب، وعشر سنوات في البحر.

لذلك، فإن «الأوديسة» ليست قصة مغامرات فقط، إنها قصة رجل يحاول أن يعرف ما تبقى منه بعد الحرب، وامرأة تحاول حماية البيت من الانهيار، وابن يكبر وهو لا يعرف إن كان أبوه حياً أم مات.

قبل الرحلة

لفهم «الأوديسة»، يجب الرجوع إلى حرب طروادة. هناك ظهر أوديسيوس بوصفه أحد أذكى قادة الإغريق، وصاحب الحيلة الشهيرة: حصان طروادة. لم يكن أقوى المحاربين جسداً، لكنه كان الأقدر على الخداع والتخطيط والنجاة.

بعد سقوط طروادة، يبدأ الجميع رحلة العودة. لكن أوديسيوس يغضب إله البحر بوسيدون بعد أن يعمي العملاق بوليفيموس، ابن بوسيدون. ومن هنا تتحول رحلة العودة إلى سلسلة عقوبات واختبارات، ويتحول البحر هنا من طريق إلى البيت لمتاهة طويلة.

وتروي الأسطورة أن الإغريق، بعد حصار مدينة طروادة سنوات طويلة دون أن يتمكنوا من اقتحامها، صنعوا حصانًا خشبيًا ضخمًا وأخفوا داخله عددًا من أفضل محاربيهم، ثم تظاهروا بالانسحاب وتركوا الحصان هديةً للطرواديين.

ظنّ أهل طروادة أن الحصان رمز للنصر أو قربان مقدس، فأدخلوه إلى داخل المدينة. وفي الليل خرج الجنود المختبئون منه، وفتحوا أبواب المدينة لجيشهم الذي عاد سرًا، فسقطت طروادة.

بيت ينتظر

بينما يضيع أوديسيوس في البحر، تعيش زوجته بينيلوبي في إيثاكا تحت ضغط الخُطّاب الذين يريدون الزواج منها والسيطرة على المملكة. هي لا تعرف إن كان زوجها سيعود، لكنها ترفض الاستسلام. فتؤجل، وتراوغ، وتستخدم ذكاءها بطريقة تشبه ذكاء أوديسيوس نفسه.

أما الابن تيليماخوس، فيبدأ الملحمة شاباً قلقاً يعيش في ظل أب غائب. ويعد جزء مهم من القصة ليس رحلة أوديسيوس فقط، بل رحلة تيليماخوس أيضاً ليصبح رجلاً، ويبحث عن خبر أبيه، ويفهم معنى أن يحمل اسمًا كبيرًا في بيت مهدد.

وحوش وآلهة

في الطريق، يواجه أوديسيوس محطات أصبحت من أشهر صور الأدب العالمي: آكلو اللوتس: قومٌ في الأساطير اليونانية يتغذّون على نبات أو ثمرة تُسمّى اللوتس، ومن يأكل منها ينسَ وطنه ورغبته في العودة إليه، والعملاق بوليفيموس، والساحرة سيرسي التي تحول الرجال إلى خنازير، وكاليبسو التي تحتجزه في جزيرتها سنوات، والسيرينات اللواتي يغوين البحارة بأصواتهن، وسكيلّا وخاريبديس، الوحش والدوامة بينهما.

كل واحدة منها تختبر جانباً في شخصية أوديسيوس: رغبته، غروره، صبره، ذكاءه، وخوفه من النسيان. فالخطر الأكبر في «الأوديسة» لا يكون الموت دائمًا، بل أن ينسى الإنسان لماذا بدأ الرحلة أصلاً.

بطل معقد

أوديسيوس شجاع، وذكي، ومحب لعائلته، لكنه أيضاً مراوغ، كاذب أحيانًا، وفخور بنفسه إلى حد يوقعه في الخطر. هذا التعقيد هو ما جعل شخصيته تعيش قرابة 3 آلاف عام، فنحن لا نتابعه لأنه كامل، بل لأنه يشبه البشر في ضعفهم وقدرتهم على النجاة.

في نهاية الملحمة، يعود أوديسيوس إلى إيثاكا متخفيًا في هيئة متسول. يلتقي ابنه، ثم يدخل قصره حيث تجمع الخُطّاب. تثبت بينيلوبي هويته ثم يستعيد بيته بعد مواجهة عنيفة.